اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-16 12:17:00
قراءة نقدية لبيان “قوى التغيير الجذري”: الأيديولوجيا تتحصن في وجه الواقع. عاطف عبد الله إن بيان قوى التغيير الجذري الرافض لمؤتمر برلين يأتي منسجماً مع خطه السياسي المعروف، لكنه في تقديري لا يقدم انتقاداً نوعياً للمؤتمر بقدر ما يكرّس نمطاً من العزلة السياسية الطوعية التي ظلت ترافق التيار الراديكالي في تعامله مع العملية السياسية برمتها. ورغم اللغة الثورية النارية، يكشف البيان عن أزمة عميقة في فهم موازين القوى وإدارة الصراع السياسي في زمن الحروب الوجودية. المبدأ المكسور: الهروب من النفوذ، لا حماية للقرار. ويستند البيان إلى افتراض أن أي منصة دولية هي بمثابة «فرض خارجي» و«هبوط ناعم». وهذا التنميط لا يقدم نقداً نوعياً لأجندة برلين بقدر ما يرسي موقفاً مسبقاً من فكرة «الحوار» نفسها. المفارقة: أن الائتلاف يرفض المؤتمر بحجة غياب قوى حقيقية، في حين استمر هو نفسه، وخليفته الحزب الشيوعي، في رفض دعوات المشاركة في البرامج التشاورية السابقة. إن استمرار رفض المشاركة لا يحمي «القرار الوطني» كما يدعي البيان، بل يترك مقعد السودانيين شاغراً لتشغله القوى التي يصفها التحالف بـ«قوى التسوية»، وهو ما يجعل التحالف شريكاً (بالصمت والغياب) في صياغة النتائج التي يرفضها. فخ الشعارات: الانتفاضة في زمن الرماد. ويدعو البيان إلى “انتفاضة شعبية” و”إضراب سياسي عام” كأداة وحيدة للتغيير. وهنا يطرح سؤال بنيوي حول حقيقة الأدوات: كيف يمكن الحديث عن إضراب سياسي وجهاز الدولة مشلول أصلا، والكتلة العمالية والمهنية مشردة بين النزوح والمنفى؟ إن الاعتماد على الأدوات النضالية التي نجحت في سياق «السلام» و«استقرار الدولة» (كما في 1964، 1985، 2019) وتطبيقها قسراً على واقع «الحرب الشاملة» وتفكك البنية الاجتماعية، هو نوع من الركود الأيديولوجي الذي يحل محل العمل السياسي المحتمل. مع التطلعات الثورية. جبهة «الإقصاء» وليس جبهة «البناء». ويدعو الائتلاف إلى بناء “جبهة شعبية أفقية واسعة”، وهي دعوة تبدو ديمقراطية في ظاهرها، لكنها “إقصائية” في مصطلحاتها. إن الجبهة التي يسعى إليها البيان تقتضي التوافق التام مع رؤية التحالف، وتخون كل من يرى ضرورة التعامل مع المجتمع الدولي أو الجلوس على منصات التفاوض لوقف إراقة الدماء. الحقيقة السياسية: الجبهات العريضة تبنى بـ«إدارة الاختلاف» وليس بـ«فرض التوافق». بيان التحالف لا يسعى إلى التحالف مع «الآخر» المدني، بل يسعى إلى «إخضاع» القوى الثورية تحت عباءته، مما يزيد من تشرذم المعسكر المدني ويخدم، موضوعياً، أطراف الحرب. السؤال عن «البوصلة»: لمن هذا الفراغ؟ وبالعودة إلى الأسئلة التي طرحناها في مقالنا السابق «رسالة إلى مؤتمر برلين وأسئلة حول بوصلة الحزب الشيوعي»، نجد أن هذا التصريح يؤكد المخاوف: هناك تقاطع غريب وغير معلن في «النتائج» بين موقف الراديكاليين وموقف البقايا؛ وكلاهما يعمل على شيطنة أي حركة مدنية واسعة، وكلاهما يسعى إلى إحباط أي تقارب مدني مدني قد يؤدي إلى مركز ثقل يوقف الحرب. وعندما يرفض التحالف «الخارج» رفضاً مطلقاً، ويعجز عن تنظيم «الداخل» المشرذم بفعل الحرب، ينتهي الأمر إلى حالة من «الشلل السياسي الشامل»، دولة لا تخدم إلا استمرار الرصاص. · الخلاصة أن البيان بدلاً من المساهمة في توسيع جبهة القوى المدنية، يعمل على تكريس حالة الانقسام، واستبدال العمل السياسي المحتمل بشعارات متطرفة لا تدعمها آليات واقعية. وبالتالي، فهو لا يقدم بديلاً عملياً بقدر ما يعمق المأزق القائم. · التحدي الحقيقي اليوم ليس في المقارنة بين “الداخل” و”الخارج”، ولا بين “المبدأ” و”البراغماتية”، بل في القدرة على تحويل الحد الأدنى المشترك إلى عمل سياسي منظم يوقف الحرب ويفتح الطريق لانتقال مدني حقيقي. وأي شيء أقل من ذلك، مهما حسنت نواياه، يبقى إعادة إنتاج للأزمة بشكل آخر. في الختام، وبعيداً عن الرفض، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه “ائتلاف التغيير الجذري” لا يكمن في قوة الخطاب الرافض، بل في القدرة على تقديم بديل إجرائي قابل للتنفيذ. وإذا نظرنا إلى مؤتمر برلين باعتباره مسارا غير مقبول، فإن السؤال الجوهري يبقى: ما هي الآلية العملية لوقف إراقة الدماء وتقديم الدعم والإغاثة وتأمين الممرات الإنسانية وفتح أفق سياسي في ظل هذا الواقع المنهار؟ السياسة هي فن إدارة الممكن في خدمة الضروري، والضروري الآن هو «بقاء الأمة». أما الاختباء وراء شعارات متطرفة في لحظة هزيمة وطنية، فهو لا يخدم الثورة بقدر ما يعمق المأزق، ويحول «الراديكالية» من موقف سياسي إلى عزلة تاريخية عن آلام الجماهير التي يتحدث البيان باسمها. atifgassim@gmail.com




