اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-12 10:53:00
عاطف عبد الله في خضم التحولات العاصفة التي شهدها السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يعد الحديث عن هذه الحرب يقتصر على ساحات القتال وحدها، بل امتد إلى مجالات السياسة الدولية وخطاباتها، حيث تصاغ المفاهيم وتحدد الأوصاف التي قد تغير مسار الصراع ونتائجه. ومن بين الأسئلة التي برزت في مقدمة هذا الجدل سؤال حساس للغاية: هل يمكن تصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية على المستوى الدولي؟ هذا السؤال أعاد طرحه الأستاذ عبد الله علي إبراهيم في مقالته بعنوان: “هل الأدلة ستقود العالم إلى تصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية؟” ، محاولاً استكشاف مدى قدرة رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، على دفع المجتمع الدولي لاعتماد هذا التصنيف. إلا أن أهمية هذا السؤال لا تنبع من أهميته السياسية فحسب، بل من كونه يفتح بابا أوسع للتأمل في كيفية صياغة مفهوم الإرهاب في النظام الدولي المعاصر، ومن يملك سلطة تعريفه وتوظيفه. ويظهر التاريخ الحديث أن وصف أي جماعة مسلحة بالإرهابية لا يتحدد دائما بالحقائق الميدانية وحدها، ولا بمعايير قانونية بحتة، بل غالبا ما يتشكل في تقاطع معقد بين القانون والسياسة، وبين الحقائق على الأرض وحسابات المصالح والتحالفات الدولية. ومن هذه الزاوية، يصبح الحديث الذي طرحه عبد الله علي إبراهيم مدخلاً لتحليل أعمق يتجاوز حدود الحرب السودانية نفسها، ليتطرق إلى إشكالية أوسع تتعلق بطبيعة النظام الدولي، والطريقة التي تنتج بها القوى الكبرى تعريفات العنف المشروع وغير المشروع في عالم مضطرب تتداخل فيه الاعتبارات الأخلاقية مع موازين القوى. وفي هذا السياق، حاول الأستاذ عبد الله علي إبراهيم في مقالته تقديم قراءة توضيحية لاحتمالات نجاح البرهان في إقناع المجتمع الدولي بتصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية، انطلاقا من تحليل يتقاطع فيه التاريخ السوداني مع تحولات السياسة الأمريكية بشأن ملف الإرهاب. وقبل الدخول في الجدل الذي قد يثيره هذا السؤال في ظل الاصطفاف والاستقطاب السياسي الحالي، تجدر الإشارة إلى أن الموضوع سياسي بالأساس قبل أن يكون قانونيا. وعلى الرغم من طبيعته القانونية الظاهرة، إلا أنها في حقيقتها مسألة سياسية بامتياز، لأنها تتعلق بتوازنات القوى في النظام الدولي، وبطريقة تقديم أطراف الحرب لأنفسهم للعالم، وبطريقة صياغة مفهوم الإرهاب في السياسة الدولية المعاصرة. ينطلق الكاتب في معالجته للموضوع من ثلاث أطروحات رئيسية.. الأولى أن دعوة البرهان لتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية جاءت متأخرة، وأن الدولة السودانية لم تتعامل معها منذ البداية بالجدية اللازمة على المستويين الإعلامي والدبلوماسي. وترتكز الأطروحة الثانية على أن الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، يتجه إلى ربط مفهوم الإرهاب بالإسلام السياسي، مما يجعل من الصعب تصنيف قوة مثل الدعم السريع، التي لا تتبنى خطابا دينيا، كمنظمة إرهابية. أما الفرضية الثالثة فتذهب إلى أن الموقف الأميركي الحالي يبدو أقرب إلى انتقاد الجيش وحلفائه الإسلاميين، وهو ما قد يجعل واشنطن أقل رغبة في تبني الرواية التي قدمها البرهان بشأن طبيعة هذه الحرب. وتؤدي هذه الأطروحات مجتمعة إلى نتيجة ضمنية مفادها أن فرص نجاح البرهان في دفع العالم لتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية تبدو محدودة. لكن ما يضفي على المقال قدرا من الحيوية الفكرية هو أن الكاتب لا يقتصر على مناقشة الحرب السودانية في سياقها المحلي، بل يحاول توسيع دائرة النقاش لتشمل سياقات أوسع في السياسة الدولية. ويربط القضية بمفهوم الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر، وبطريقة تطور السياسات الأمريكية في تصنيف الجماعات المسلحة، فضلا عن استحضار التاريخ المعقد للعلاقة بين السودان وواشنطن. وفي هذا السياق يتوقف المؤلف عند مسألة التعريف المزدوج للإرهاب في السياسة الدولية، لافتا إلى أن هذا المفهوم لم يحظ بتعريف موحد، وأنه غالبا ما يتشكل في ضوء المصالح السياسية للدول الكبرى. ويضرب مثالا على تجاهل الولايات المتحدة، لفترة طويلة، لما يعرف بالإرهاب اليميني داخل مجتمعها، مقابل تركيزها بشكل أكبر على الجماعات الإسلامية المتطرفة، وهي الملاحظة التي تتكرر كثيرا في أدبيات العلاقات الدولية. ومع الاعتراف بمهارة الأستاذ عبد الله علي إبراهيم المعتادة في السرد، واتساع أفقه المعرفي، فإن هناك ملاحظات نقدية لا يمكن تجاهلها في مناقشة أطروحته. وتتعلق أولى هذه الملاحظات باختزال تفسير ظاهرة الإرهاب إلى العامل الديني. إن الافتراض بأن الغرب يصنف الإرهاب في المقام الأول على أساس الهوية الإسلامية يظل مجرد تبسيط لواقع أكثر تعقيدا. وتشمل قوائم المنظمات الإرهابية الغربية جماعات غير إسلامية، ذكرها عبد الله في مقالته، مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي، وحزب العمال الكردستاني، وحركة الدرب المضيء في البيرو. وفي كثير من الحالات، يكون المعيار الحاسم للتصنيف هو طبيعة الأعمال المرتكبة، وخاصة التي تستهدف المدنيين أو المصالح الدولية، وليس الانتماء الديني أو الأيديولوجي للجماعة. الملاحظة الثانية هي أن المقال، وإن تناول بعض اللحظات في التاريخ السوداني الأمريكي مثل تفجير مصنع الشفاء عام 1998 والعقوبات المفروضة على السودان إبان نظام الإنقاذ، إلا أنه لم يتناول المحاولات السابقة التي تمت بالفعل لإثارة مسألة تصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية في المحافل الدولية. وفي عام 2014، تحركت قوى المعارضة السودانية في مسارين متوازيين في هذا الاتجاه. المسار الأول كان حقوق الإنسان، إذ قدمت منظمات سودانية ودولية تقارير مفصلة لمجلس الأمن حول الانتهاكات الواسعة النطاق في دارفور، وطالبت بفرض عقوبات على قيادات قوات الدعم السريع ومحاسبتهم على الجرائم المنسوبة إليهم. أما المسار الثاني فكان سياسيا، إذ طالبت قوى المعارضة في وثائق مثل “إعلان باريس” و”نداء السودان” المجتمع الدولي بالاعتراف بهذه القوى كميليشيا مسؤولة عن انتهاكات جسيمة تتطلب المحاسبة. لكن هذه الجهود اصطدمت حينها بجدار التوازنات الدولية داخل مجلس الأمن، حيث كانت روسيا والصين تقدمان قدرا من الحماية السياسية لنظام البشير، ورفضتا توسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية أو فرض عقوبات إضافية على الأجهزة الأمنية السودانية بحجة رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول. الملاحظة الثالثة هي أن المقال لم يناقش بشكل كافٍ الاتهامات الخطيرة المرتبطة بقوات الدعم السريع، مثل تجنيد المرتزقة من دول الجوار، والانتهاكات الواسعة في الخرطوم والجزيرة ودارفور، وشبكات الذهب والتهريب عبر الحدود. وهذه العناصر، إذا تم توثيقها قانونياً بشكل منهجي، يمكن أن تشكل أساساً لملف دولي يمكن استخدامه للدفع نحو تصنيف هذه القوة ضمن الجماعات الإرهابية أو على الأقل إخضاع قادتها لعقوبات دولية صارمة. لكن التجارب الدولية تشير إلى أن تصنيف أي جماعة كمنظمة إرهابية لا يعتمد فقط على حقائق قانونية، بل يرتبط أيضا إلى حد كبير بالحسابات السياسية والتحالفات الدولية. ويقدم التاريخ الحديث أمثلة عديدة على تغير مواقف الدول الكبرى من الجماعات المسلحة بتغير المصالح، كما حدث في عدة حالات، منها التحولات التي طرأت على التعامل الدولي مع حركة طالبان، أو رفع السودان نفسه من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد سقوط نظام البشير. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بطبيعة قوات الدعم السريع أو مدى انطباق تعريف الإرهاب عليها، بل يتعلق أيضًا بموقع السودان في شبكة المصالح الإقليمية والدولية، ومواقف القوى الكبرى، والتوازنات التي ستخرج من نهاية هذه الحرب. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن مقال عبد الله علي إبراهيم ينجح في طرح سؤال مهم للغاية حول كيفية خلق وصف الإرهاب في السياسة الدولية، لكنه من ناحية أخرى يبالغ في ربط عملية التصنيف بالإسلام السياسي، ويتجاهل أن الجرائم الواسعة النطاق ضد المدنيين قد تشكل في حد ذاتها مدخلا لتصنيف أي جماعة – دينية أو غير دينية – كمنظمة إرهابية. وفي الحالة السودانية تحديدا، يبدو أن مسألة تصنيف أي طرف في الحرب لن تحسم في مختبرات القانون الدولي وحدها، بل ستتحدد بالدرجة الأولى في مجال السياسة الدولية، حيث تتقاطع المصالح وتتغير التحالفات وتصاغ القرارات على atifgassim@gmail.com




