اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-28 15:53:00
زهير عثمان لم يحمل خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان في عيد الأضحى أي شيء حاسم سياسيا، لكنه كشف – ربما أكثر من أي خطاب سابق – عن طبيعة الأزمة التي يعيشها السودان اليوم. فالدول المستقرة تتحدث بلغة البرامج والمؤسسات والمستقبل، بينما تعود الدول الممزقة دائما إلى لغتها الأولى، لغة البقاء. لم يكن الخطاب خطاب انتصار كامل، ولم يكن خطاب زعيم صاحب مشروع تاريخي واضح المعالم. وبدا الأمر أقرب إلى محاولة إبقاء فكرة «الدولة» حية في الوعي العام، حتى في حين أن الأرض نفسها تتآكل تحت أقدام الجميع في الحروب الطويلة التي لا تخاض بالسلاح وحده، بل بالإدراك الجماعي أيضاً. ولذلك فإن كثيراً من الجمل التي وردت في خطاب البرهان لا يمكن أن تقرأ على أنها مجرد «دعاية سياسية» أو «كذبة رسمية» بالمعنى المباشر عندما يقول إن «الخرطوم تستعيد عافيتها». وهو لا يصف واقعاً معيشياً يعرف السودانيون أنه لم يتحقق بعد، بل يحاول إنتاج صورة ذهنية تمنع الانهيار النفسي لفكرة الدولة. وتخشى السلطات في أوقات الحرب لحظة أخطر من خسارة المدن، أي فقدان الثقة في إمكانية العودة. ولذلك فإن الخطاب السياسي في زمن الحرب يصبح أقرب إلى إدارة الأمل منه إلى وصف الحقائق. لكن المشكلة هي أن هذا الأمل مبني على تناقضات هائلة يصعب إخفاءها. البرهان يتحدث باسم الدولة، فيما أصبحت الدولة نفسها منقسمة بين جيوش متعددة وتحالفات إقليمية ومراكز نفوذ اقتصادية وعسكرية متشابكة. يتحدث عن “السيادة الوطنية” في وقت يعتمد فيه السودان على الخارج أكثر من أي وقت مضى، ويتحدث عن “الجيش الوطني” فيما كشفت الحرب أن المؤسسة العسكرية السودانية اعتمدت منذ عقود على المليشيات والعنف اللامركزي والحروب بالوكالة، وهنا تظهر المفارقة الأعمق – فالحرب الحالية ليست انحرافاً عن تاريخ الدولة السودانية، بل هي إحدى نتائجها الطبيعية منذ الاستقلال، فلم تنجح النخب السياسية والعسكرية في بناء دولة وطنية متماسكة تتجاوز حدود الدولة السودانية. هيمنة المركز التاريخي. وظلت السلطة تدار من خلال معادلة مزدوجة: احتكار الشرعية في المركز، واستخدام العنف في الأطراف. ومع الوقت، تحولت أدوات العنف نفسها إلى قوى مستقلة تمتلك المال والسلاح والطموح السياسي. ولذلك فإن «الدعم السريع» لم يأت من العدم، بل ظهر من داخل البنية التي خلقتها الدولة نفسها. من هنا تبدو مفارقة خطاب البرهان واضحة: كيف يمكن للدولة أن تدين مخلوقاً ساهم فيها؟ هل هي في الإنتاج؟ فكيف يمكن أن تتحدث عن “القضاء” على الدعم السريع وفي الوقت نفسه تستقبل بعض المنشقين عنه وتعيد دمجهم في بنيتها العسكرية والسياسية؟ وهذا ليس مجرد تناقض خطابي عابر، بل يعكس الطريقة التي تعمل بها الدولة السودانية تاريخيا: إدارة الأزمات من خلال إعادة تدوير المعارضين، وليس من خلال بناء عقد قانوني ومؤسسي شامل. ولهذا السبب انتهت العديد من المستوطنات السودانية السابقة إلى حروب جديدة مؤجلة. في المقابل، يغيب الحديث الحقيقي عن العدالة عن الخطاب الرسمي، لأن العدالة الشاملة في السودان لا تعني فقط محاكمة الأفراد، بل تهدد البنية بأكملها. الذي حكم البلاد لعقود من الزمن: الجيش، والإسلاميون، واقتصاد الحرب، وشبكات الفساد، والحركات المسلحة، والتحالفات الإقليمية المتشابكة، لكن اختزال الأزمة في شخص البرهان وحده لا يبدو دقيقاً أيضاً. لقد تجاوزت الحرب منذ فترة طويلة فكرة “الحاكم الفردي”. السودان يواجه أزمة دولة بأكملها، أزمة الشرعية، أزمة احتكار العنف، أزمة المعنى الوطني الشامل، ومن له الحق في تمثيل السودان؟ ومن يملك الأسلحة فعلا؟ وما الذي يجعل السودانيين يشعرون بأنهم ينتمون إلى مشروع وطني واحد؟ هذه هي الأسئلة التي يحاول الخطاب الرسمي الالتفاف عليها عبر لغة رمزية الجيش والوطنية والدين. ومع ذلك، فإن البعد الأخطر للأزمة يظل إقليمياً. ولم يعد السودان اليوم ساحة داخلية بحتة، بل تحول إلى نقطة تقاطع للصراعات الإقليمية والدولية المتشابكة. وتتهم الإمارات بدعم الدعم السريع ضمن حسابات البحر الأحمر ونفوذها الاقتصادي في القرن الأفريقي. وتنظر مصر إلى الجيش باعتباره الضامن الأخير لمنع انهيار الدولة على حدودها الجنوبية. تتحرك السعودية بحذر بين هاجس الاستقرار وتوازن القوى الإقليمي. وتسعى روسيا إلى الحصول على موطئ قدم استراتيجي من خلال الذهب والموانئ، بينما تراقب قوى أخرى مثل تركيا وإيران وقطر المشهد بحثاً عن نفوذ سياسي وأمني طويل الأمد. ومع استمرار الحرب، يصبح السودان تدريجياً صورة مكثفة لصراعات المنطقة بأكملها: الخليج، والمصري الإثيوبي، والتركي الإماراتي، وحتى الروسي الغربي. ولذلك فإن أي حل حقيقي لن يكون سودانيا خالصا، بل سيبقى مرتبطا بتوازنات إقليمية أكبر. ومستوطناتها لم تنضج بعد. وعلى الرغم من كل هذا، فإن تحويل المجتمع السوداني إلى معسكرين أخلاقيين متعارضين يظل تبسيطاً مضللاً. كثير من السودانيين الذين يقفون مع الجيش اليوم لا يفعلون ذلك بالضرورة انطلاقا من دوافع أيديولوجية، بل خوفا من الانهيار الكامل، أو بحثا عن الحد الأدنى من الاستقرار في بلد تتفكك مؤسساته بسرعة هائلة. لا يبحث الأشخاص في الحروب دائمًا عن العدالة المثالية. أحياناً تبحث فقط عن فرصة للبقاء، وهنا تكمن معضلة القوى المدنية والمعارضة، فلا يكفي إدانة العسكريين أخلاقياً، بل يجب تقديم رؤية عملية لإعادة بناء الدولة والأمن والاقتصاد معاً. لأن السؤال الحقيقي الذي يواجه السودان الآن ليس فقط كيفية وقف الحرب، بل ماذا سيبقى من السودان بعدها. فالبلاد لا تحتاج إلى هدنة مؤقتة فحسب، بل إلى إعادة ترسيخ كامل لفكرة الدولة ذاتها، دولة لا تقوم على التفوق العسكري، ولا على احتكار المركز، ولا على اقتصاد الحرب، ولا على تحالفات مؤقتة بين السلاح والمال والأيديولوجية. وإلا فإن الحرب الحالية، مهما انتهت، قد تكون مجرد وقفة طويلة قبل انفجار آخر. في النهاية، خطابات الحرب تكشف أكثر مما تخفي. خطاب البرهان، رغم لغته المطمئنة، يكشف عن دولة منهكة تحاول إقناع شعبها -وربما تقنع نفسها أيضاً- بأنها لا تزال قادرة على فهم المستقبل، في حين أن هذا المستقبل ينزلق من بين أصابع الجميع. zuhair.osman@aol.com الكاتب




