اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-18 15:57:00
منذ 6 ساعات زهير عثمان حمد 127 زيارة زهير عثمان لم يكن رحيل مزن النيل خبرا عابرا في سجل الحزن السوداني المتراكم، بل كان انطفاء ضوء كان ينير زاوية ضيقة في سور اليأس العظيم، وكان سقوط حاضر حديث، حاضر حاول بعناد العشاق أن يخرج الفكرة من سجن التجريد إلى وهج السلوك، وأن يحول الموقف النظري إلى موقف السيرة الذاتية النابضة التي فات الأوان للبكاء. في الكتابة… ليس لأن الكلمات نادرة، بل لأن الثكل كان أبلغ من كل البلاغات، ولأن الرثاء عندما يكون له فكرة يصبح أشبه بجنازة معنى وليس جسداً موزوناً. لم تكن باحثة في السياسات الصناعية فحسب، ولا كاتبة منشغلة بالأعمال الداخلية للاقتصاد. لقد كانت شيئًا أكثر إيلامًا عند تعريفها، شخصًا قرر أن يعيش تناقضاته حتى النخاع، وأن يكون أيديولوجيًا دون أن يفقد براءة السؤال، وأن يقف إلى جانب الحلم دون المساس بمرارة الواقع. في الوقت الذي أصبح فيه الاختلاف هو السماح للآخر، أتقنت موزان فن الخلاف الأخلاقي. كانت تجادل وكأنها تدافع عن الحقيقة، لا عن الغطرسة، وتجادلت وكأنها تبحث عن النور، لا عن النصر. ولم تُسقط خصمها من موازين الإنسانية، وهذا في ثقافتنا السياسية المهترئة معجزة كمعجزات الأنبياء. لقد كانت الاشتراكية… ولكن ليست اشتراكية الكتب والمكاتب، بل اشتراكية الرسل والأسواق. اشتراكية انحازت للضعفاء كما انحاز النيل إلى جذوره، وللنساء كما انحازت الريح إلى الحبوب، وللمهمشين كما انحازت الذاكرة إلى الأماكن المهجورة. رأت العدالة الاجتماعية واجبا يوميا وليس شعارا انتخابيا، وآمنت أن الفكر إذا لم يتلطخ يديه بغبار الناس فهو ترف بارد لا يستحق الدفاع عنه بأقسى دموع رحيلها… ذلك المزيج النادر بين حداثة الفكر وقدسية القلب. كانت تكتب عن السياسات الصناعية ببرود مهندس، ثم تبكي على عامل احترقت أصابعه في فرن مهمل، وتعمل على نماذج تنموية بتعقيد الفلاسفة، لكن روحها كانت بسيطة كالماء: ترى الألم عاريا بلا تأويل، وتسمع الصرخة عقيمة بلا تنظير. لم تكن “مسالمة” بالمعنى الناعم للكلمة. لا. كانت صلبة كالصخر، حادة كالسيف، وواضحة مثل شمس الظهيرة. لكن في قلب هذه الصلابة حملت أخلاقا سامية: أخلاق من أيقن أنه إذا تحول اليقين إلى قسوة، فقد قتل صاحبه قبل أن يقتل عدوه. وهذا هو الاختبار الأصعب لأي إنسان يتبنى قضية، ألا يتحول نضاله إلى كراهية، وألا يتحول حلمه إلى طغيان. نجحت في هذا الاختبار.. نجحت لدرجة أنها أبكت من يختلف معها اليوم في زمن الحرب السودانية الحالية – حيث تتحول الهويات إلى خنادق، والقضايا إلى متاريس – اختارت مزن البحث عن “الموقف الجماهيري” وليس الاصطفاف المريح. لم تركض وراء الإجابات الجاهزة، بل ظلت تتساءل وتقلق وتعيد التفكير… وكأنها تعلم أن أخطر ما يهدد الناس ليس أعداءهم، بل يقينهم الأعمى، وأن السؤال الحر هو آخر ما يموت في الإنسان. توفيت مزن #لكن السؤال الذي تركته في جانبنا ليس ماذا كتبت؟ لكن كيف عاشت؟ كيف استطاعت أن تجمع بين الفكر والسلوك، بين النظرية والبكاء، بين الثورة والحنان؟ كيف تمكنت من أن تكون حادة دون أن تكون مسيئة، واضحة دون أن تكون مبتذلة؟ وهذا هو إرثها الحقيقي. ليس الأوراق التي تركتها وراءها، بل الطريقة التي عاشت بها تناقضاتها. قد يختلف الناس معها، قد يناقشون أفكارها، قد ينتقدون مواقفها… ولكن هناك شيء واحد يصعب إنكاره: لقد كانت صادقة. والصادقون في عصرنا هذا، زمن النفاق المسلح والدعاية المقدسة، ليسوا أحرارا فقط، بل هم شهداء ينتظرون الرثاء. السلام على النفس التي لم تتنازل، ولم تتنازل، ولم تبيع يقينها بثمن بارد. السلام على من حاول بقدر ما يستطيع الإنسان المنهك أن يبقى عموديا في زمن أفقي، حيا في زمن يجلس فيه الموتى على كراسي السلطة. السلام على ضفاف النيل… حيث لا داعي للجدال الآن، ولا خوف من أن تخون الفكرة صاحبها هناك، حيث لا حرب ولا سلام، كل كلماتها تتحول إلى ضوء بارد يضيء لمن يعرف القراءة. zuhair.osman@aol.com أنظر أيضاً زهير عثمان لم تعد الحرب في السودان التي اندلعت في 15 إبريل 2023…




