اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-20 10:39:00
منذ ساعتين الدكتور الشافعي خضر سعيد 71 يزور الدكتور الشافعي خضر سعيد في عام 2006، وتمشيا مع نهجه الهادف إلى نشر الوعي وإيقاد شعلة التنوير، تمكن الدكتور حيدر إبراهيم، مدير مركز الدراسات السودانية، من جعل زيارة الفنان مارسيل خليفة لأرض السودان ممكنة. كانت ليلة خالدة في ذاكرة المسرح القومي بأم درمان. كنا نظن أن التفاعل مع أغاني هذا المبدع وهو يغني للثورة والوطن، سيكون مقتصرا على جيل السبعينيات وبداية الثمانينات، لكن المفاجأة الكبرى كانت في شباب وشابات التسعينات، إذ وقفوا ورددوا معه كلمة كلمة، واستخرجوا الموسيقى والكلمات: «بين ريتا وعيني بندقية»، «أحن إلى خبز أمي»، «أنا أحمد». “العربي”….. وغيرها من لآلئ محمود درويش الفريدة. وكان الأمر واضحاً لكل ذي بصيرة، وللجميع. عقل يؤمن بغد مشرق، وأن هؤلاء الشباب سيكونون الفصل الأخير في معركة التغيير، وأن نموهم في ظل نظام الإنقاذ كان يسير ضد رياحه، وحتى معاول هدمه كانت تشتد معه. كانت تلك مفاجأتنا الأولى، لكنها التي كانت في العشرين من عمرها، بقصر قامتها، وجسدها النحيل، وابتسامتها المشرقة، كانت في مقدمة تلك المجموعة الشابة. وكانت مفاجأتنا الثانية في اليوم التالي، عندما احتضن الصديق الدكتور صلاح عوض في منزله. مليئاً بالحب من الشعب، تكريماً للضيف المبدع جمع غفير من أهل الفن والأدب والسياسة، ومن شباب ثورة ديسمبر لاحقاً، بعد اثني عشر عاماً، وبالإضافة إلى المحتفلين، تعزّز الاحتفال وروعته بحضور قمة الفن والغناء محمد وردي، وقمة الشعر والنبض محجوب شريف. المرحوم محمد وردي ومحجوب شريف. أما من أدار الحوار وأضفى عليه رونقاً مرحاً، فهي المرأة العشرينية، بقصر قامتها، وجسمها النحيل، وابتسامتها المشرقة، تتحرك كالفراشة المتعلمة بين مارسيل ووردي ومحجوب، تطرح داخلها الأسئلة والأفكار، وتبدي كاريزما تطمئنك على مستقبل الأمة، وإن طالت الرحلة. إنها «ميز النيل» أو مطر الحياة المنبعث من قلب الوطن، التي غادرت عالمنا في الذكرى الثالثة لحرب بغيضة، ظلت ترفضها وتدعو إلى مقاومة اختطاف الوطن. رحلت في نضارة الحياة وربيع الشباب، تاركة وراءها حزناً لا يهدأ وألماً لا يزول. لم يكن “مزن النيل” مجرد اسم عابر في سجلات الحركة الثقافية أو السياسية، بل كان نذيرا آخر لتحول عميق استمر يتشكل في جسد ووجدان شباب السودان، الذي بدا لمراقبيه محاصرا تحت قبضة الواقع وضيق أفق الحاكم، كان في الواقع يعيد تعريف ما هو ممكن، ويخترع لغته الخاصة في مقاومة الظلم، لغة اختلطت فيها الأغنية بالشعارات، الشعر في الحقيقة، وحلم العمل الجماعي الذي لن يلين ولن يتوقف حتى يصل إلى عتبة التغيير. في الحقيقة لم يكن شباب السودان جماعة واحدة، ولا مجموعة تخيم في الفراغ، بل كان نسيجا حيا خلق في نار الصراع السياسي والاجتماعي، واخمدها نبض مؤسسات المجتمع المدني والمدني والمنظمات السياسية والنقابية والاجتماعية، وكان يعاني إلى حد تمزق طغيان نظام الإنقاذ وفساده، ثم أصابه ألم انفصال الجنوب، كما استمرت معاناةه. عائلات تعيش على الكفاف، وتحرمها من لحمها ودمها لتعليم أبنائها. أدركوا أنه لا خيار سوى التغيير، حتى لا يرهنوا حياتهم بالمنفى أو الدروب المظلمة، فنزلوا إلى الشوارع في ديسمبر/كانون الأول 2018. لم يكن خروجهم ثورة جياع، بل انتفاضة جيل كامل من أجل كسر جدار الأفق المسدود الذي بناه نظام الإنقاذ شهيداً تلو الآخر، لا باسم حزب ولا طمعاً في مقعد. بعضهم قريب من السياسة وأغلبهم بعيد عنها. وهم كما كتبنا من قبل، شباب «النفير» الذين نهضوا ذلك اليوم لدرء كارثة السيول، وشباب «شارع الحوادث» لتقديم الدواء للمرضى المحتاجين في أقسام الطوارئ بالمستشفيات، وشباب «الصدقة» لتقديم الإفطار للجياع والمحتاجين، وشباب جلسات التلاوة والمساجد بعد صلاة الجمعة، وشباب الكنائس بعد القداس، وشباب «أجنحة المدارس»، وشباب الأندية. الجمعيات الثقافية، شباب الجوقات والفرق المسرحية، شباب الهامش والأحزاب… صرخت من كل عمق، متجاوزة الثنائيات الكلاسيكية لليمين واليسار، الرجعي والتقدمي، العلماني والديني، مطالبة بالحرية والسلام والعدالة، وللتأكيد على أن غد السودان لن يكتبه إلا من عرف كيف يموت من أجل الحياة. 25 أكتوبر 2021 اليوم، ينهك شباب السودان خبث الحرب الخبيث، الذي يستولي على حاضره ومستقبله، في وقت انهارت فيه مؤسسات الدولة، واختلط صوت الرصاص مع هدير سهام المسيرات. لم يبقى إلا الشباب الذين يؤمنون بأن الوطن لا يحميه إلا من يقف عندما يخذله الجميع، وبعقول تدير التفاصيل في اللحظة التي تنهار فيها كل التفاصيل، فأغلقت أذرعهم على خيوط الأمل لرسم خريطة بديلة للحياة عندما ضاعت الخرائط الرسمية في أروقة الفساد وجنون القتال، وحولوا «لجان المقاومة» من أداة لإسقاط النظام إلى العمود الفقري لصمود الشعب، فبنوا الوطن. «غرف الطوارئ» نموذج حي للإدارة الذاتية أكثر كفاءة وصدقاً من أي مؤسسة رسمية “مزن النيل” وأقرانه جيل لم يهنئه المنفى، ولم يخدعه الوعود، ولم يسلم شؤونه للوساطات أو المجتمع الدولي، بل أمسك بيده مطرقة الإرادة وأوتاد الصبر، ليرتفع فوق أنقاض الحرب جسر إنسانية لا تعترف بالهزيمة. ولتثبت أنه عندما تغيب الدولة يبقى الوطن حاضرا في أذهان من يفكرون في خدمة شعبهم، الذين يكتبون بدمائهم وإصرارهم فصلا جديدا في معنى المواطنة التي لا تسأل عن الانتماء العرقي أو الجهوي أو الديني، بل عن يد تمتد، وصدر يتسع، وقلب لا يعرف اليأس. يا من ظننت أن الحرب غبارها، كنت قمحها الذي ينبت تحت الرماد. نقلا عن القدس العربي وانظر أيضا د. الشافعي خضر سعيد. مستمرون في اختراق جدار أزمة الحرمان من التعليم في السودان كأحد…




