السودان – مظاهرة دلقو: حكمة إلهية وعبرة للرحلة

أخبار السودان10 أبريل 2026آخر تحديث :
السودان – مظاهرة دلقو: حكمة إلهية وعبرة للرحلة

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-10 14:16:00

الموقف هو موقف احتياط، ونحن نعلم أن الصمت أسلم وأسلم من الزلات اللفظية. لكننا نجتهد، ونسأل الله السلامة، ونحن نسير بين شظايا الزجاج في ليلة بلا قمر. ومن ثم نقول وفقنا الله: إذا لم يطمئن مواطنو إقليم دلقو إلى خطة الحكومة لنقل وتوطين آلاف اللاجئين من أزرق دارفور في مدنهم وقراهم، وطالبوا الحكومة بإعادة النظر في الأمر مهما كانت أسبابهم ومبرراتهم، واتخذوا التظاهر السلمي المشروع ورفع المذكرات إلى السلطات كوسيلة للتعبير عن تحفظاتهم، فلن يتم توبيخهم أو لومهم. ولا حرج في أن يعلن الناس مطالبهم، ويعبروا عنها، ويتحدثوا عما يرون أنه يمس مصالحهم. ما قيمة الحرية للإنسان إذا لم يتمكن من استجماع إرادته والتعبير عن رأيه؟ ولنضع جانبًا بعد ذلك الهراء المنتشر على جانبي مظاهرة دالجو، مثل: “ما حدث في دالجو هو عار وطني بحد ذاته”، وكل أشكال البلطجة والتهريج السياسي الأخرى. العار الحقيقي هو السعي لفرض الآراء وتكميم الأفواه ومصادرة حقوق الناس. لكن السؤال الذي يحيرني الآن هو: أين الولايات المتحدة وأوروبا ومؤسسات المجتمع الدولي التي طالما صاحت وتذمرت وزمجرت، وظلت تطالب الحكومة بالموافقة على الهدنة ووقف الحرب حتى تتمكن من رعاية النازحين؟ لماذا لا تتقدمون لإيواء نازحي دارفور وتوفير المعسكرات المنظمة لهم والمزودة بوسائل الحياة الكريمة كما فعلتم في مناطق أخرى لا تعد ولا تحصى حول العالم؟! لماذا هدأت الاستدعاءات الدولية، وجفت أنهار الدموع، واختفى أصحاب العيون الخضراء الحريصون على أمن ورفاهية أهل دارفور؟ فكيف انتهى الأمر بأهلها النازحين إلى هذا الخيار البائس قصير النظر الذي يفتقر إلى الحكمة والكرامة؟ ويتكدس الرجال والنساء والأطفال بين السكان الأصليين في المحليات والمدن والقرى الشمالية، التي تعاني من شح الموارد وبالكاد تجد ما يسد احتياجاتها اليومية. بينما يعيش عدد لا بأس به من مواطنيها معتمدين على عطاء ومساعدة أبنائهم وبناتهم في بلدان المغتربين. هناك ملاحظة -أو ربما درس مليء بالحكمة- في هذا المصاب الذي حل بأحبائنا النازحين من دارفور، وأغلبهم من القبائل الإفريقية المعروفة بـ«الزرقاء». وكان يكفيهم – كما يكفينا نحن في الوسط والشمال – أن يكون اسم السودان دلالة على سواد البشرة. إلا أن بعض عرب دارفور اختاروا أن يميزوا أنفسهم، فأطلقوا هذا الوصف على القبائل ذات الأصل الأفريقي. ولا أزال أتحدث هنا عن النازحين من هذه القبائل الذين نزحتهم الحرب إلى الشمال. وكان لهذه القبائل – وعلى رأسها قبيلة الزغاوة – حضور بارز في نشوء حركات التمرد، ودور ملحوظ في تصاعد الحرب الأهلية في السودان، برعاية وإشراف الحركة الشعبية لتحرير السودان وزعيمها جون قرنق الذي جمع حوله نخبة من أهل الزرقاء، وزودهم بالأدب الثوري، وكتب لهم “البيانات”، وزودهم بالسلاح، ثم توالت دوائر الدعم الخارجي من دول ومنظمات ومنظمات غربية. إسرائيل دعماً وإسناداً وتحريضاً… وهكذا. ما كتب في التاريخ. لولا التمرد والحرائق التي أشعلتها النخبة “الزرقاء” حيث رفعت شعارات التهميش وملأت العالم صرخات حول الثروات المزعومة التي نهبها أهل الشمال – أو كما قيل – لما عرف السودان ما يسمى بالجنجويد، ولما كان هناك بلاء يعرف بقوات الدعم السريع. وذلك لأن ولادة الجنجويد والدعم السريع ارتبطت بهذه الحركات بشكل عضوي وسببي. في الواقع، كانت القابلة هي التي أعادتهم إلى الحياة. وفي عهد الديمقراطية الثالثة، أنشأت حكومة الإمام الراحل الصادق المهدي ما عرف بـ”قوات المراحيل”، والتي كانت نواة لما عرف فيما بعد بالجنجويد، من أجل حماية القبائل العربية من هجمات المتمردين. ثم ومع تطور الصراع، اتسع الخرق على الرتق إلى تشكيل قوات الدعم السريع، بعد أن وصل سيل التمرد من قبل نخب دارفور إلى الزوبا، وتشكلت وتعقدت المواجهة بتكتيكات حرب العصابات التي أثقلت كاهل الجيش النظامي. ولم تكن التجربة السودانية مبتكرة في هذا الصدد. واضطرت العديد من دول العالم إلى إنشاء قوات موازية لمواجهة هذا النوع من الحروب، كما حدث في كولومبيا وسريلانكا وغيرهما. والواقع أن الولايات المتحدة نفسها شكلت ومولت ورعت “ميليشيا الصحوة” في العراق لمحاربة تنظيم القاعدة، كما أنشأت ميليشيات محلية متعددة تحت أسماء مختلفة في أفغانستان لمواجهة طالبان، عندما تبين أن خوض حروب غير تقليدية بالوسائل التقليدية أمر بالغ الصعوبة بالنسبة لها. لماذا نقول ذلك، ولماذا نستحضر التاريخ؟ إنما نستحضرها ونستنير بها حتى يتسنى لنا وللأجيال القادمة تأمل هذه الوقائع والحوادث، والتأمل في تداعياتها ومظاهرها، ثم نتعرف على كيف تؤدي المسارات المتراكمة إلى نتائجها، وكيف قادتنا سلاسل التمردات الدارفورية المدعومة من الخارج إلى هذا المنحدر الوعر الذي تتدهور عليه بلادنا. وتتجلى حكمة الله في نظر من يتأمل المشهد، في أن نفس القبيلة أو القبائل أو القليل من نخبها حتى لا نكون من الظالمين، هي التي أشعلت نار الحرب في دارفور وأحرقت ما أحرقته من الأراضي الخضراء واليابسة، بناء على كذبة التهميش وادعاءات عدم المساواة في الثروات بين مناطق السودان واحتكار ولاية الجلابة للموارد وحرمان الآخرين منها، انتهى بها الأمر إلى النزوح إلى نفس شمال السودان الذي لقد وصفوا دائمًا بأنهم أثرياء. والاحتكار. وكمال الحكمة هنا أن أهل الشمال تقاسموا معهم القليل، حتى لم يعد لديهم ما يكفيهم من مؤن أو مأوى، وأصبحت ظروفهم صعبة، فاعتذروا عن استضافة الضيوف لأكثر من ثلاثة أيام. وهكذا قدّر الله لإخواننا من “ثوار دارفور” أن يشهدوا بأعين مفتوحة واقع أهل الشمال، بعيداً عن الصور النمطية الكاذبة التي تصنعها نخبهم، وأن تنكشف أمامهم التعقيدات المعيشية وقلة الموارد. والله كبير في أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وعن مثل هذه الرحلة المأساوية والملهمة، رغم قسوتها وارتفاع تكلفتها، وما أدت إليه من دروس وعبر ودلائل كبيرة، يقول الفرنجة: ‏Learning the hard way!

اخبار السودان الان

مظاهرة دلقو: حكمة إلهية وعبرة للرحلة

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#مظاهرة #دلقو #حكمة #إلهية #وعبرة #للرحلة

المصدر – اعمدة محلية – صحيفة السوداني