اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-06 12:22:00
الدكتور الوليد آدم مادبو، فيما يبدو وكأنه مشهد مسروق من عالم صامويل بيكيت، حيث تتكرر الحركات عبثا وتتكرر الجمل وكأنها صدى لفراغ أكبر، جلس البرهان يستقبل الضوء قبة وربع، وعلى وجهه تلك الابتسامة الغامضة: ابتسامة لا تقول شيئا بقدر ما تكشف كل شيء. إنها ليست ابتسامة ترحيب، ولا حتى مجاملة بروتوكولية، بل هي تلك الإشارة الدقيقة التي يسميها السياسيون -إن كانوا صادقين- «بسمة المعضلة»، أو بلغة المقال: معضلة السلطان. لكن هذا المشهد، رغم سخافته الظاهرة، يخفي في أعماقه بنية مأساوية قاسية. وكما يشير عالم الاجتماع السياسي تشارلز تيلي في تحليله للدولة الحديثة، “الحرب تصنع الدولة، والدولة تصنع الحرب” – ولكن عندما تفشل الدولة في احتكار العنف، تتحول هذه المعادلة إلى نقيضها: فالحرب تفكك الدولة، والقوات المسلحة تعيد تشكيلها لتناسب نفسها. فالقائد هنا ليس سيد أدواته، بل هو رهينة لها. القصة إذن لا تدور حول التحالفات التي يتم بناؤها، بل حول التحالفات التي تتآكل من الداخل. المجموعة «المشتركة»، التي جاءت ذات يوم كقوة مساندة، سرعان ما توسعت -كما تتوسع كل قوة دون رقابة مؤسسية- حتى أصبحت شريكاً ثقيلاً، ثم شريكاً باهظ الثمن، ثم في لحظة الحقيقة شريكاً يلوح بفاتورة القانون. وهذا ما يسميه صامويل هنتنغتون في كتابه «الجندي والدولة» «انهيار المؤسسة العسكرية عندما تخرج من إطارها المهني إلى فضاء السياسة»، حيث تتحول من أداة في يد الدولة إلى جهة فاعلة تنازع سيادتها. وفي هذه اللحظة بالتحديد نفهم سر فرحه الغامر بحصوله على “البديل”. القبة المضيئة، في هذا السياق، ليست مجرد حليف جديد، بل هي – بلغة نيكولو مكيافيلي – محاولة لخلق «توازن الخوف»، عندما يعجز الحاكم عن إقامة «توازن الشرعية». إنها لعبة قديمة: إذا كنت لا تستطيع أن تثق في قوة واحدة، فوزع الثقة على قوى متعددة، فربما يلتهموا بعضها قبل أن يلتهموك. لكن هذه الحيلة، التي تبدو ذكية في ظاهرها، هي في الواقع إعادة إنتاج للمأزق نفسه. وكما يحذر ماكس فيبر، فإن الدولة لا يتم تعريفها إلا من خلال قدرتها على احتكار العنف المشروع؛ وكل إجازة لهذا العنف خارج مؤسساته ما هي إلا تنازل تدريجي عن جوهره. ومن هنا فإن استدعاء القيادات العشائرية أو التشكيلات الهجينة لا يعيد التوازن، بل يوسع دائرة الفوضى. المفارقة – وهي المفارقة السوداء هذه المرة – أن الزعيم الذي يحاول الإفلات من قبضة «المشترك» يفعل ذلك باستحضار أمثلة من نفس القاموس الذي أنتج الأزمة في المقام الأول. وكأن المشكلة ليست في الأدوات، بل في الشخص الذي يحملها فقط. هنا تلتقي العبثية بالمأساة: العبثية في الوسائل، والمأساة في النتائج. ولعل القصة الشائعة هي أن أهل الشمال ونهر النيل يلومونه قائلين: “لقد جعلتنا تحت رحمة هؤلاء ……”. – المأساة تتلخص في جملة واحدة. وهو ليس مجرد عتاب عائلي، بل هو تعبير مكثف عن لحظة تاريخية يفقد فيها المركز سيطرته على الأطراف، ويصبح القائد الأعلى، للمفارقة، أضعف من جنوده، لأنه الوحيد الذي لا يملك ترف ارتكاب الأخطاء. وهذه ليست حالة سودانية بحتة، بل هي نمط متكرر في التاريخ. ومن الانقلاب الإنكشاري على السلاطين العثمانيين إلى مصائر القادة المعاصرين الذين ظنوا أن بإمكانهم توظيف الميليشيات دون دفع الثمن، تتكرر القصة نفسها: قوات تستدعى للحماية، ثم تتحول إلى عبء، ثم إلى خطر، ثم إلى قدر. وكما تقول حنة أرندت: “العنف قادر على تدمير السلطة، لكنه لا يستطيع خلقها”. وهنا تكمن المقارنة التي لا ينبغي للقارئ أن يفوتها: إن مصائر القادة الذين يعبثون بتوازن القوى داخل مجتمعاتهم ليست مفتوحة على احتمالات كثيرة. إما أن يبتلعهم الوحش الذي خلقوه، أو سيبقون عالقين في إدارة أزماته حتى ينهار كل شيء، دولة وشعباً. وفي الحالتين فإن الثمن الحقيقي سيدفع من دماء الشعب وكرامته، وليس من حسابات القادة. «عندما تأكل الجيوش أصحابها» لم تعد مجرد استعارة ساخرة، بل هي وصف دقيق لبنية سياسية بأكملها: بنية تبدأ باستدعاء القوة خارج الدولة، وتنتهي بتحول الدولة إلى نفسها رهينة لهذه القوة. أما محاولة الخروج من المأزق بتوسيعه، فهو ليس خروجاً، بل الغوص فيه أعمق. في النهاية، لا يبدو أن البرهان قد خرج من المأزق، بل أعاد ترتيب موقفه فيه. الجدار هو نفسه، والهواء يزداد اختناقًا، والابتسامة – تلك الابتسامة – لم تعد تخفي شيئًا. إنها، ببساطة، ابتسامة رجل أدرك متأخرًا أن اللعبة التي كان يظن أنه يديرها… كانت تديره منذ البداية. 6 مايو 2026 auwaab@gmail.com




