السودان – مقارنة بين محمد جلال هاشم وعبدالله علي ابراهيم

أخبار السودان7 مارس 2026آخر تحديث :
السودان – مقارنة بين محمد جلال هاشم وعبدالله علي ابراهيم

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-06 12:22:00

بين ضمير المفكر المريح وغريزة التفوق الشخصي. وفي المقارنة بين محمد جلال هاشم وعبد الله علي إبراهيم، د. الوليد آدم ماديبو، تكشف المقارنة بين عبد الله علي إبراهيم ومحمد جلال هاشم عن تباين عميق في تصور دور المثقف في اللحظة التاريخية الحالية للسودان. فالمسألة هنا ليست مجرد اختلاف في المواقف السياسية، بل اختلاف في البنية الأخلاقية والمنهجية التي ينطلق منها كل منهما في النظر إلى الدولة والمجتمع. ويمثل عبد الله علي إبراهيم نموذج المثقف الذي ظل يتحرك في فضاء النخب المركزية، حيث يتقاطع الإنتاج الثقافي مع إرث طويل من الامتيازات التاريخية المرتبطة بالدولة المركزية. ولذلك تبدو مواقفه السياسية -في نظر منتقديه- أقرب إلى إعادة تفسير الواقع بما يسمح لهذه البنية بالاستمرار، حتى عندما يتخذ ذلك شكل الخطاب النقدي أو المجازي. في المقابل، يقف محمد جلال هاشم في موقف مختلف. وهو مفكر خرج من الهوامش الثقافية والسياسية، وظل مشروعه الفكري مشغولا بتفكيك المركزية الثقافية وإبراز تعددية السودان. ولهذا يصعب تحدي وطنيته أو نزاهته الأخلاقية، حتى عند الاختلاف معه سياسياً، لأن مواقفه – في جوهرها – تنبع من قناعة فكرية صادقة، وليس من حسابات المنصب أو الامتياز. أدرك محمد جلال هاشم، بحدسه الفكري الثاقب، حجم المفخخات الكامنة داخل الكتلة التاريخية: مفخخات عشائرية وقبلية، بل وانفراجات أيديولوجية لم تخفى على بصيرته. ولذلك فضل النظر إلى هذا المشروع من الخارج بدلاً من الاندماج فيه. وهذا الخيار قد يكون ضده، لأنه إذا تركت الكتلة التاريخية دون مساهمة المفكرين الحقيقيين، فإنها قد تتحول إلى كتلة لا عقل لها، أو إلى قوة اجتماعية قادرة على الاختراق وإعادة التوظيف. ومن ثم لن يكون من المستبعد أن يعيد التاريخ إنتاج نفسه في شكل آخر من أشكال الاستبداد، وربما في شكل أكثر فظاظة. فالكتلة التاريخية التي يمثلها “الجمعية التأسيسية السودانية” على سبيل المثال ليست برنامجا سياسيا بقدر ما هي إمكانية تاريخية تنتظر التحقق الكامل. إنها كتلة تحتاج إلى تنمية ثقافية وفكرية وروحية حقيقية. تطور لا يتم بالبنادق أو التصريحات الثورية، بل بمساهمة جميع المثقفين. ولعل هذه – في رأيي – هي الفرصة الأخيرة التي سيشهدها السودان لبناء وطن يستوعب تنوعه، وينصف مظلوميه، ويتصالح مع محيطه الإنساني. أما عبد الله علي إبراهيم، فرغم عمله الأكاديمي الواسع في التاريخ والثقافة، فإن حضوره الفكري غالبا ما اتخذ طابعا تفسيريا أو فولكلوريا، يعمل على السرديات والرموز الثقافية، بدلا من العمل على بناء مشروع فكري سياسي متماسك قادر على تغيير البنية الاجتماعية والسياسية. ولا يخفى على أحد أن عبد الله استشهد بتعريف ماكس فيبر للدولة على أنها كيان يحتكر العنف المشروع ضمن حدود معينة، ليبني عليه دفاعاً متأخراً عن دولة 1956. لكن المشكلة ليست في استحضار فيبر، بل في تحويل التحليل السوسيولوجي إلى فتوى سياسية. ولم يقل فيبر إن أي دولة تحتكر العنف تستحق الدفاع الأخلاقي. لقد وصف الظاهرة، لا ليقدسها، بل ليجعلها موضوعا للتحليل والنقد. ولكن عندما يصبح احتكار العنف هو المعيار الوحيد للشرعية، فإن الدولة لم تعد دولة حديثة، بل أصبحت مافيا إجرامية. ويبدو أن الاختلاف هنا نفسي بقدر ما هو فكري. عبد الله علي إبراهيم هو الأقرب إلى المثقف الذي يعمل ضمن دائرة النقاش العام والجمهور الثقافي الواسع، ويجد حيويته في الجوقة الفكرية التي تحيط به وفي الصراع الرمزي مع أقرانه داخل فضاء النخبة النيلية. أما محمد جلال هاشم، فشخصيته تميل إلى الاستقلال الفكري، رغم أنه لا يزال يعاني من بعض الانفجارات العاطفية، والتي تمثلت في دعوته ذات يوم إلى تفكيك الخرطوم “لبنة لبنة”. فهو مفكر يفضل التميز والوقوف عند قناعاته الخاصة، حتى لو أدى ذلك أحياناً إلى العزلة أو إلى حافة الوحدة الفكرية. وفي الختام، فإن أكثر ما يبعث على الأسى في هذا الجدل هو المقارنات السطحية التي تحاول اختزال المواقف في المواقع الجغرافية أو السياسية. ليست الجغرافيا معيار الضمير الإنساني، كما أن البرنامج السياسي ليس تاجاً لمنتهى الوطنية. المعيار الوحيد هو الموقف الأخلاقي. ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس على مواقف الأفراد، بل على قدرة المثقفين -مهما اختلفوا- على الانضمام إلى المهمة الكبرى: بناء أمة تعترف بتنوعها، وتنصف مواطنيها، وتتصالح مع محيطها الجغرافي. ولذلك فإن وضع محمد جلال هاشم في خانة واحدة مع عبد الله علي إبراهيم -حتى لو كانا على نفس المنبر السياسي، على الأقل في الوقت الراهن- ليس مجرد خطأ تحليلي، بل تبسيط فادح يخلط بين مثقف يسعى للتوافق مع ضميره الذي يحرس منهجه المؤسسي، ومثقف يبدو أحيانا أكثر انسجاما مع ضرورات الامتياز، حتى لو كان ذلك بصحبة من يتردد في الاصطفاف معهم في الظروف العادية. 5 مارس 2026 auwaab@gmail.com

اخبار السودان الان

مقارنة بين محمد جلال هاشم وعبدالله علي ابراهيم

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#مقارنة #بين #محمد #جلال #هاشم #وعبدالله #علي #ابراهيم

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل