السودان – هل يستطيع العالم أن يتخلى عن السودان؟

أخبار السودانمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
السودان – هل يستطيع العالم أن يتخلى عن السودان؟

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-06 23:07:00

أماني الطويل، كاتبة وباحثة ملخص: عندما نبحث في التاريخ الحديث عن إجابة واضحة لسؤال: هل يستطيع العالم أن يتخلى عن حالته المنهارة؟ ولا نجد نموذجاً أوضح وأكثر صدمة من النموذج الصومالي. في بداية التسعينيات، عندما تداخلت الحروب الأهلية مع عدم التوافق بين أمراء الحرب الصوماليين، وفشل مبادرات الأمم المتحدة والولايات المتحدة، قرر العالم الابتعاد عن الصومال لما يقرب من عقدين من الزمن، تاركاً البلاد مرتعاً للفوضى والمجاعة والقرصنة والجماعات المتطرفة مثل حركة الشباب. هل يستطيع العالم أن يتخلى عن السودان؟ إنها ليست مجرد فرضية نظرية، بل واقع يتشكل يوما بعد يوم، بعد أن تحولت الأزمة السودانية إلى ساحات مواجهات صفرية، أو خداع سياسي، أو تحالفات انتهازية، كل ذلك يجعل النسيان الدولي ممكنا بنسب كبيرة. إننا نعيش في وسط عالم منشغل بأزمات الطاقة، والحروب الكبرى في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، والمنافسات والصراعات بين القوى الكبرى. وهكذا يتحول السودان تدريجياً من أزمة تتطلب الحل إلى عبء يفضل الجميع إدارته دون تحمله. وفي هذا السياق لا بد من عدم إلقاء اللوم كاملا على من يدين المجتمع الدولي، فالمعادلة السودانية هي نتاج تلاقح بين القصور الدولي والإقليمي، وعجز بنيوي محلي تقوده نخب سياسية وعسكرية أدمنت السير على دروب الانسداد التاريخي. ولتقييم مدى قدرة العالم على التخلي عن السودان، لا بد من دراسة المصالح والقوى المحركة للساحة السياسية، وتحديد طبيعة التوجهات المختلفة للمحاور الأمريكية والأوروبية والأفريقية. النهج الأمريكي: بين إدارة الأزمات وأولويات الأمن القومي. ومن الواضح أن السياسة الأميركية تجاه السودان تعاني من حالة انفصام في الشخصية. فمن ناحية، هناك ضغوط إنسانية وحقوقية داخل الكونجرس تطالب بوقف الجرائم والانتهاكات الصارخة وضمان تدفق المساعدات. في المقابل، فإن رؤية واشنطن الاستراتيجية تخضع لمنطق الأولويات الدولية. وفي ظل الانشغال الأمريكي بمواجهة التمدد الصيني في أفريقيا ومراقبة التحركات الروسية عبر بدائل مجموعة فاغنر التي تسعى إلى تعزيز نفوذها في البحر الأحمر، يُنظر إلى السودان على أنه ساحة خطيرة للاستقطاب الدولي. ورغم هذا التناقض، فإن واشنطن لا تملك ترف التخلي عن السودان بشكل كامل، نظراً لموقعه الجيوسياسي، لكنها في الوقت نفسه تمارس نوعاً من التراجع الدبلوماسي الحذر. فهي تكتفي بأدوات العقوبات المفروضة على قادة الطرفين المتنازعين، وتفعيل مسارات تفاوضية متقطعة كمسار جنيف أو تحديثات لمسار جدة، دون رغبة حقيقية في ممارسة ضغوط قاسية تغير موازين القوى على الأرض، أو تفرض حلاً سياسياً شاملاً. ويفسر الخبراء الأميركيون هذا السلوك على أنه محاولة لتجنب الغرق في المستنقع السوداني مع الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة لمنع سقوط البلاد بالكامل في أيدي القوى الدولية المتنافسة. أما التوجه الأوروبي، فتتحكم فيه هواجس أمنية مباشرة ترتبط بشكل أساسي بالأمن القومي الأوروبي، إذ حسمت رؤية تقول إن انهيار الدولة السودانية كابوس ديمغرافي وأمني مرعب. ويمثل السودان تاريخيا وجغرافيا دولة عبور ومصدرا رئيسيا لموجات الهجرة غير الشرعية نحو السواحل الأوروبية عبر ليبيا والبحر الأبيض المتوسط. وهكذا فإن أغلب التقديرات والتقارير الأوروبية تحذر من أن استمرار الحرب، وتجاوز أعداد النازحين واللاجئين 14 مليون نسمة، سيؤدي حتماً إلى انفجار بشري غير مسبوق، سيمتد تأثيره إلى خارج الحدود السودانية. بالإضافة إلى ذلك، يخشى الأوروبيون من أن يتحول السودان إلى نقطة جذب للجماعات المتطرفة والإرهابية العابرة للحدود في مناطق الساحل والصحراء والقرن الأفريقي. لكن الدعم الأوروبي يظل يقتصر على الجوانب الإغاثية والمؤتمرات الإنسانية (مثل مؤتمر باريس للمانحين)، أو التدخل الجزئي مثل مؤتمر برلين الأخير، كل ذلك دون بلورة مبادرة سياسية أوروبية موحدة وقوية قادرة على فرض وقف إطلاق النار، ما يجعل الموقف الأوروبي يبدو وكأنه تخلي عملي مغلف بالهم الإنساني. وعلى المستوى الأفريقي يشهد النهج الأفريقي عجزا، إذ يمثل السودان اختبارا حقيقيا لشعار الحلول الأفريقية للأزمات الأفريقية، خاصة أن القارة تواجه معضلة مزدوجة بين كون السودان عضوا مؤسسا وجسرا بين العالم العربي وأفريقيا التي تشهد حالة من التفكك، بينما يعاني النظام الأفريقي من عجز مالي وسياسي يمنعه من التدخل الفعال. إن قرارات مجلس السلم والأمن الأفريقي، رغم تعاقبها وإصدار خرائط طريق متعددة لوقف الحرب والعودة إلى المسار المدني، تظل حبرا على ورق بسبب افتقارها إلى آليات التنفيذ والضغط على الأرض. وهذا العجز، المصحوب بانقسامات داخلية بين زعماء دول المنطقة (دول الجوار)، جعل القارة الأفريقية تبدو عاجزة عن إنقاذ أحد أهم ركائزها، وهو ما يترجم عمليا إلى تخلي قسري يفرضه نقص الحيلة والقدرات. انتحار الإجماع في أديس أبابا. كل المعطيات السابقة لا تنفي أن الجذر الحقيقي للأزمة يكمن في داخل السودان، لأن فرضية تخلي العالم عن السودان لا تكتمل دون الاعتراف بأن النخب السياسية والعسكرية السودانية هي من بادرت إلى تقديم صك التخلي عن بلادها. من خلال عجزها المخزي عن إنتاج الحد الأدنى من الإجماع الوطني. ويتجلى هذا العجز بشكل واضح في انهيار مؤتمر الآلية الخماسية والجهود الأفريقية الموازية في أديس أبابا، والتي تم الاعتماد عليها كطوق نجاة لجمع الأطراف السودانية (المدنية والعسكرية) للحفاظ على كيان الدولة. ولم يكن فشل هذا المسار في العاصمة الإثيوبية مجرد تعثر دبلوماسي عادي، بل فضيحة سياسية. بكل معنى الكلمة. وأظهرت القوات السودانية هناك تمسكاً طفولياً بالشروط الإقصائية، وتنافساً محموماً على الشرعية الوهمية على بقايا وطن ممزق. وقاطعت العائلات السياسية والكتل المدنية المؤتمر بذرائع شكلية وإجرائية، فيما تمسكت الأحزاب العسكرية بلغة السلاح ورفضت الجلوس معاً. هذا المشهد في أديس أبابا أرسل رسالة سيئة للغاية للمجتمع الدولي والإقليمي مفادها أن السودانيين أنفسهم غير مستعدين لإنقاذ بلادهم. وبطبيعة الحال، فإن هذا الفشل المستمر للنخب في التوصل إلى اتفاق يمنح القوى الدولية المترددة الذريعة المثالية للانسحاب والتشكيك في جدوى أي جهد دبلوماسي. وعندما تفشل النخبة في الاتفاق على ممرات آمنة لإطعام شعبها، أو على أجندة تفاوضية غير إقصائية، فإنها تساهم بشكل مباشر في تسريع وتيرة «النسيان الدولي»، ويجعل التدخل الخارجي لإنقاذ السودان استثماراً خاسراً في أعين العواصم الكبرى. وبحسب تطورات أعداد الكارثة الإنسانية في السودان من نزوح وجوع وخسارة للخدمات الصحية، يبدو أن الكارثة السودانية قد تجاوزت بكثير قدرة المجتمع الدولي على الاحتواء التقليدي. وحقيقة أن هذه الأرقام مستمرة في الارتفاع دون تدخل دولي حاسم، تزامنا مع عناد سياسي محلي، تعزز فرضية أن العالم اتخذ قرارا غير معلن بترك السودان لمصيره، ما دامت النخب المحلية ترفض مد يد العون لنفسها. الدرس الصومالي المنسي عندما نبحث في التاريخ الحديث عن إجابة واضحة لسؤال: هل هذا ممكن؟ أن يتخلى العالم عن حالته المنهارة؟ ولا نجد نموذجاً أوضح وأكثر صدمة من النموذج الصومالي. في بداية التسعينيات، عندما تداخلت الحروب الأهلية مع عدم التوافق بين أمراء الحرب الصوماليين، وفشل مبادرات الأمم المتحدة والولايات المتحدة، قرر العالم الابتعاد عن الصومال لما يقرب من عقدين من الزمن، تاركاً البلاد مرتعاً للفوضى والمجاعة والقرصنة والجماعات المتطرفة مثل حركة الشباب. يبدو هذا الدرس التاريخي المرعب اليوم أقرب إلى الواقع السوداني من أي وقت مضى، وعليه نتوقع أن يكتفي المجتمع الدولي بدور المتفرج الذكي، حيث يتم إرسال عدد قليل من قوافل الإغاثة النادرة، ويفرض حظر أمني بحري لحماية البحر الأحمر، وتتم مراقبة الحدود لمنع تسلل الإرهاب أو المهاجرين، مع ترك الداخل السوداني غارقاً في حرب استنزاف طويلة بين إقطاعيات عسكرية وإقليمية وقبلية متحاربة دون حل. وذلك تحت مظلة واقع يتجه نحو الانقسام الواقعي مع ترسيخ جغرافية السيطرة العسكرية الحالية وتكلس مواقف النخب السياسية. ويبسط الجيش السوداني وحلفاؤه سيطرتهم على ولايات الشمال والشرق، وولاية النيل الأزرق، وأجزاء من ولاية سنار، فيما تسيطر قوات “الدعم السريع” على معظم إقليم دارفور، وأجزاء واسعة من ولاية كردفان. وبالتالي، فإن العالم لا يتخلى عن السودان جهلاً بما يحدث هناك، بل هو تخلي مدفوع باليأس من النخب العاجزة وحسابات التكلفة السياسية والعسكرية المعقدة. ويعلمنا التاريخ أن إدارة الظهر، كما حدث في الصومال، وإن كانت مريحة على المدى القصير، إلا أنها تحول الدول المنهارة إلى قنابل موقوتة. لن يبقى الجرح السوداني النازف محصورا داخل حدوده، ولن يكون الانهيار الشامل مجرد سقوط دولة، بل سيكون زلزالا جيوسياسيا ستصل تداعياته إلى عمق العواصم التي تعتقد اليوم أنها تمتلك ترف التخلي والنسيان. كاتب عربي مستقل

اخبار السودان الان

هل يستطيع العالم أن يتخلى عن السودان؟

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#هل #يستطيع #العالم #أن #يتخلى #عن #السودان

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل