اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-03 12:29:00
زهير عثمان zuhair.osman@aol.com من حشوة النقد إلى حشوة التبرير وقفة د. لم تعد قضية عبد الله علي إبراهيم، مع قضية إعدام الأستاذ محمود محمد طه، تُقرأ على أنها «وجهة نظر» أو اجتهاد تاريخي يمكن اعتباره أو رفضه. نحن أمام تحول معرفي حاد، أو حتى اعوجاج كامل، يطرح سؤالاً مقلقاً: كيف يمكن للمثقف «العضوي»، الذي نشأ وهو ينتقد السلطة ويكشف آليات القمع، أن يسخر أدواته الأكاديمية وذكائه التحليلي لبناء عربة من المبررات، يحتمي تحتها القاتل الحقيقي من شمس المسؤولية الأخلاقية والسياسية؟ المسألة هنا ليست اختلافاً في التفسير، بل تحولاً في الموقف: من موقف محاسبة السلطة إلى موقف تخفيف أعبائها، ومن تفكيك الخطاب السلطوي إلى إعادة تدويره بلغة أكثر أناقة ومراوغة. هندسة التمويه: كيف تضيع الحقيقة بين السطور؟ حل الجريمة في «الماء»: عندما تنفصل السياسة عن دمها، فإن المنهج الذي يتبعه الدكتور عبد الله في هذا الملف يقوم على ما يمكن تسميته شعبياً: فصل القطر عن القضيب. وبدلا من تسمية الأشياء بمسمياتها – جريمة دولة، قرار سياسي، نظام استبدادي متكامل – يتحول إعدام الأستاذ محمود إلى ما يشبه “حادثة ثقافية” عامة أو “إثارة دينية”، دون فاعل أو مركز قرار محدد. وبهذا يُنزع الطابع السياسي من الجريمة، وينزع منها طابع السلطة، ويتحول الجزارون إلى مجرد «مناخ» أو «مزاج عام»، في حين تختزل الدولة إلى زخرفة صامتة. وكأن قوانين أيلول سقطت من السماء، وكأن المحاكم انعقدت بلا توقيع، وكأن المشنقة نصبت بلا أوامر. اختراع «بعبع» بديل: المشيخة كقناع للسلطة. وحتى تتم عملية التمويه يتم اختراع ممثل بديل يسمى: المشيخة. مصطلح مطاطي، بلا عنوان واضح ولا مسؤولية قانونية، يؤدي وظيفة محددة: تحميل «المشيخة» مسؤولية الدم بدلاً من التنظيم الحاكم. تحويل القضية من صراع القانون والسلطة إلى نقاش أخلاقي وثقافي عام. – إخراج الإسلاميين من موقع العمل التنفيذي إلى هامش المشهد. لكن السؤال البسيط الذي لا يحتاج إلى نظرية: من يملك الشرطة؟ ومن الذي سيطر على القضاء؟ من كان يحكم الدولة عندما شدد الحبل على رقبة محمود محمد طه؟ إن الهروب من هذه الأسئلة ليس جهدا، بل هو نقل متعمد للمسؤولية. «الحداثيون»: كبش الفداء البلاغي، ولأن أي رواية تبريرية تحتاج إلى معارض، كان للدكتور عبد الله عدو وهمي أسماه: الحداثيون. مظلة واسعة، يندرج تحتها كل من رفض عقوبة الإعدام: الجمهوريون، وعائلات الضحايا، والقوى المدنية، وحتى الإنسانية السليمة. وبدلاً من مواجهة السؤال: كيف ولماذا قُتل الرجل؟ وينزلق الخطاب إلى سؤال آخر: لماذا يغضب الناس؟ وبدلا من إدانة الجريمة، تتم إدانة ردود الفعل، ويوصف الغضب بالسخط، والاحتجاج بالجهل. وهكذا تتحول المشنقة إلى «سوء فهم»، ويصبح الاعتراض عليها مشكلة أخلاقية لمن اعترض، وليس لمن نفذها. لي ذراع النظريات: فانون خارج السياق الأمر الأكثر إثارة للدهشة ـ وربما المؤلم ـ هو استحضار فرانتز فانون في هذا السياق. ويستخدم فانون، الذي كتب عن عنف المستعمر وتفكيك بنية السيطرة الاستعمارية، هنا لشرح عنف الدولة الوطنية ضد أحد مواطنيها. وهذا ليس تطبيقا نظريا، بل هو تجميل فكري مرتبط بجريمة مكتملة الأركان. لم يكن إعدام محمود محمد طه نتاج «جغرافية العنف الاستعمارية»، بل نتيجة شهوة سلطة محلية خافت من فكرة وقتلت صاحبها باسم الدين. النظرية هنا لا تفسر بل تضلل. التشريح الأخلاقي: هل قلبت الأمور يا دكتور؟ الخطاب ككل يعتمد على معايير مزدوجة فظة: مع الفاعل: لغة معتدلة، ومصطلحات عامة، وغموض مقصود. مع الضحية ومناصريه: حدة واتهام وتشكيك في النوايا. وكأن الجلاد والضحية أصبحا «طرفين متساويين» في جدل ثقافي لا علاقة له بالحبل أو المشنقة أو ميدان الإعدام. وكأن الدم مجرد تفصيلة جانبية في نقاش أكاديمي أنيق. وهنا يكمن الخطر: عندما تفقد الجريمة بعدها الأخلاقي، فإن العدالة لم يعد لها معنى، والتاريخ ليس له ذاكرة. والحقيقة لا يغطيها القمة الأكاديمية لما يكتبه الدكتور. عبد الله علي إبراهيم في هذا الملف ليس بحثا بريئا، بل هو محاولة لإعادة صياغة الرواية الرسمية بلغة أكثر تهذيبا، باستخدام رأس المال الرمزي لمكانته الأكاديمية. لكن الحقيقة – مهما طال الزمن – تظل بسيطة ومباشرة: إن الأستاذ محمود محمد طه تم إعدامه بقرار سياسي، من النظام النميري المتحالف مع الإسلاميين، بموجب قوانين سبتمبر 1983، وبمباركة فكرية وتنظيمية واضحة. يا دكتور، الدم الذي يسيل تحت المشنقة لا يتحول إلى حبر، والجريمة لا تصغر عندما نغير اسمها، والقلم – مهما لامع – لا يزيل البقعة.




