اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-18 09:00:00
عندما اتصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وراجت شائعات عن مسعى أميركي لترتيب لقاء بين عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، تبادر إلى ذهني كلمتان، الأولى على لسان مؤسس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل، والثانية على لسان نجله الرئيس الشيخ أمين الجميل. قال الأول إن «قوة لبنان في ضعفه»، وقال الثاني: «أعطني السلام وخذ ما سيدهش العالم». هذين الموقفين قيلا قبل نحو خمسة وأربعين عاماً شهد خلالها لبنان تغيرات كثيرة، لعل أهمها صعود حزب الله الذي أعلن في أعقاب الإعلان الثاني عن وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل أن يده ستبقى على الزناد، مع الرفض المطلق لأي «مفاوضات مباشرة مع العدو». وهذا مؤشر على أن مرحلة العشرة أيام من الهدنة قد تكون أصعب بكثير من الحرب نفسها، وربما أصعب من تجربة لبنان للمفاوضات المباشرة، التي ستؤدي بطبيعة الحال إلى توقيع اتفاق السلام، بعد تذليل كل العوائق الخارجية والداخلية التي تحول دون تحقيق هذا الهدف «الذي سيدهش العالم». لذلك، لا يمكن قراءة التفاهم اللبناني الإسرائيلي في 17 نيسان 2026 بمعزل عما سبقه في 27 تشرين الثاني 2024، لأن ما حصل لم يكن مجرد تكرار لمحاولة التهدئة، بل انتقال واضح من مرحلة إدارة الحرب إلى محاولة إعادة صياغة قواعدها. وفي اتفاق 2024 كان الهدف الأساسي وقف إطلاق النار وتثبيت القرار 1701 كمرجعية للسيطرة على الجبهة الجنوبية. وقتها بدا الاتفاق أشبه بمحاولة لاحتواء التصعيد، من دون الخوض في جذور الصراع أو فتح الباب أمام مسارات سياسية أوسع. أما تفاهم 2026 فالصورة مختلفة تماما. ولم يعد الحديث يقتصر على وقف الأعمال العدائية، بل اتسع ليشمل مفاهيم أكثر حساسية، مثل الاعتراف بالسيادة، والاعتراف بأن الطرفين ليسا في حالة حرب، والأهم من ذلك، الدخول في مفاوضات مباشرة برعاية أميركية. هذا التحول ليس تفصيلا. فهو ينقل العلاقة من منطق «تنظيم الاشتباك» إلى منطق «إدارة الاستيطان» ولو نظرياً. لكن على الرغم من هذا التقدم في الشكل، إلا أن المضمون يكشف عن تعقيدات أعمق. وفي حين لا تزال هناك بعض القواسم المشتركة، مثل التركيز على وقف الأعمال العدائية ودور الولايات المتحدة باعتبارها الراعي الرئيسي، فإن الاختلافات الأساسية تكمن في طبيعة النهج نفسه. في 2024، كان حزب الله حاضراً كواقع ميداني تم التعامل معه ضمنياً، من خلال القرار 1701. لكنه في 2026، أصبح جزءاً من المشكلة المطروحة صراحة، من خلال الحديث الواضح عن الجماعات المسلحة من غير الدول، وضرورة حصر السلاح في أيدي المؤسسات الشرعية. ولا يعكس هذا التحول تغيراً في اللغة فحسب، بل وأيضاً في الهدف، مع انتقال المناقشة من احتواء الدور العسكري الذي يلعبه الحزب إلى محاولة إنهائه أو تقليصه بشكل جذري. وبالإضافة إلى ذلك، يظهر اختلاف أساسي في طبيعة التفاوض. وبينما نص اتفاق 2024 على مفاوضات غير مباشرة، فإن تفاهم 2026 يأتي ليكرس مبدأ المفاوضات المباشرة، وهو ما يشكل سابقة سياسية حساسة جداً في السياق اللبناني. كما تغيرت طبيعة وقف إطلاق النار، من صيغة شبه مفتوحة إلى هدنة تقتصر على عشرة أيام، مشروطة بإحراز تقدم في المفاوضات، وقابلة للتمديد. هذه الهدنة، في جوهرها، ليست حلاً بقدر ما هي اختبار. اختبار لمدى جدية الأطراف، وقدرة الولايات المتحدة على تحويل التفاهم إلى مسار تفاوضي فعلي، وليس مجرد محطة عابرة في مسار الصراع. إنه يفتح نافذة، لكنه لا يضمن ما سيأتي بعد ذلك. لكن العامل الحاسم يبقى داخل لبنان. ولا يمكن اعتبار رفض الثنائي الشيعي لهذا المسار، خاصة فيما يتعلق بنزع سلاح حزب الله، مجرد تفصيل عابر، بل عنصر أساسي قد يحدد مصير أي مفاوضات مقبلة. ولبنان الذي يدخل إلى طاولة المفاوضات لا يزال منقسماً حول مبدأ التفاوض نفسه، وحول نتائجه المحتملة. وهذا الانقسام لا يضعف الموقف التفاوضي فحسب، بل يثير مشكلة أعمق تتعلق بقدرة الدولة على الالتزام بأي اتفاق يتم التوصل إليه، إذ لا يمكن لأي تفاهم أن يصبح واقعاً إذا لم يحقق الحد الأدنى من التوافق الداخلي، أو إذا بقي جزء أساسي من المعادلة خارج إطاره. ويمكن القول إن اتفاق 2024 كان محاولة للسيطرة على الحرب، أما تفاهم 2026 فهو محاولة لتغيير قواعده. لكن بين المحاولتين يبقى الثابت الوحيد أن المشكلة ليست في النصوص، بل في القدرة على تنفيذها. ولبنان لا يتفاوض مع إسرائيل فقط، بل يفاوض نفسه أيضاً. وفي ظل هذا الواقع، قد تكون هدنة العشرة أيام بداية جيدة، لكنها لن تكون كافية إذا لم يُحل الخلاف في الداخل قبل الخارج.


