اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-20 13:54:00
مؤانسة رمضان (29) كان ميل فيصل محمد صالح هاشم لدراسة الآداب بدلاً من الكليات الأخرى بجامعة الخرطوم مصدر قلق وإزعاج في الأسرة. وكان وقتها في ذروة تمرده على كل شيء، حتى العلاقات الأسرية. طُرد من حنتوب، فقدّم امتحاناً من منزلهم وحصل على نتيجة تؤهله لدخول أي كلية في الجامعة، فاختار الآداب. ثم تم فصله من كلية الآداب في إضراب شهير مع الفنان التشكيلي الراحل علاء الجزولي. سافر علاء لاستكمال دراسته للفنون بالخارج، بينما اختار هاشم قسم اللغة الفرنسية بكلية الآداب بجامعة الخرطوم مكانًا له، وفي نفس الوقت كان يعمل في قسم الاستماع للإذاعة بوكالة سونا. لقد كان طالبًا متفوقًا، لكنه تأخر عن فصله لمدة عامين بسبب الاعتقال السياسي. كان يمزح معي ومع أخواتي بأنه الوحيد الذي دخل جامعة الخرطوم، رغم أنه الوحيد منا الذي لم يكن الأول في سنوات الدراسة المختلفة، بينما كنا جميعا من الأوائل، وكان يتلقى توبيخا مستمرا من الأسرة على ذلك. ثم أرسلته الجامعة لدراسة السنة الخامسة في ليون بفرنسا، ولكن بعد عودته تم رفض تعيينه في القسم. ودعاه الدكتور أشعري أحمد محمود إلى الالتحاق بشعبة اللغويات بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية الذي كان تحت قيادته، وأصبح عضوا أصيلاً فيه. حصل على درجة الماجستير من معهد المسح اللغوي لمنطقة جبل مرة. كانت هذه الفترة بمثابة مرحلة جديدة في حياته. وأصبح أقرب إلى العائلة، خاصة بعد أن تزوج وأنجب ابنه الوحيد بشرى. لفترة طويلة كنت الابن الوحيد الذي يقيم في الأسرة، ويقوم بواجبات الابن الذكر؛ أسافر مع والدتي للاطمئنان على إخوتها وأخواتها، وأذهب للتسوق وشراء الأغراض، وأرافق أبي وأمي إلى الأطباء رحمهما الله. ورغم ذلك لم يكن هاشم غائبا؛ ولا أذكر أن والدي ناداني باسمي في المرة الأولى. وكان كثيراً ما ينادي: “هاشم… هاشم… فيصل”. تقاعد والدي ثم انتقل إلى الخرطوم نظراً لوجودنا جميعاً أبناء وبنات هناك، ثم إلى الحصاحيصا. تولى هاشم مرة أخرى مسؤوليات الأسرة، وأصبح بعد ذلك الأكثر حظوة. كنا نتناوب مع والدي على الذهاب إلى الأطباء، لجلب المستلزمات وشراء مختلف الأغراض، لكنه كان يقول باستمرار: “الدكتور بتاع هاشم أفضل من الدكتور بتاع فيصل”. وحتى الدواء الذي يشتريه هاشم من الصيدلية أفضل من نفس الدواء الذي أحضره معي. وفهمت سعادتهم بحضور هاشم المؤثر في دائرة الأسرة، وكان صبره واحتماله أكبر مني بكثير. لقد كسر هاشم بكل بساطة كل تقاليد الزواج، وبناء الأسرة، والقيام بالواجبات المنزلية. تزوج هو وأم الخير ببساطة في أواخر السبعينيات، دون تكلفة باهظة أو «شيلة» أو حفل باهظ الثمن، وتقاسما مسؤولية المنزل ورعاية بشرى. وعندما كانت خالتي بنات أم الخير رحمها الله حاضرة، كانت تتعب أم الخير قائلة: “يا بنت قومي، هذا الرجل دخل المطبخ، يمكن يريد شاي”. وتضحك أم الخير وهي تقول إن والدتها «لم تكن تعلم أن هاشم يعد الغداء بنفسه». وفي عام 1990 أرسلته الجامعة إلى فيلادلفيا لدراسة الدكتوراه في أمريكا. سافر إلى هناك، ثم انتقل إلى جامعة بيركلي في كاليفورنيا. لقد كانت منحة دراسية من الجامعة وليست منحة دراسية، فعندما بدأت المذبحة الصفية من أجل الصالح العام أثرت عليه بشكل مباشر، وأوقفت الجامعة الرسوم الدراسية التي كان بعضها متراكما. ترك دراسته وتفرغ لوظائف مختلفة لإعالة أسرته. لقد كان زاهدا حقيقيا. جلس لسنوات عديدة دون أن يتقدم بطلب اللجوء السياسي. وبعد أكثر من عشرين عاماً، وتحت ضغط أصدقائه، خطا خطوة ثم توقف لسنوات. ثلاثة وثلاثون عاماً من الإقامة القانونية في أمريكا، ولا يحمل جواز سفر أمريكي. وعندما تعرض ابنه بشرى لحادث في الدوحة، حصل على وثيقة سفر طارئة بعد تقديم التقارير الطبية، وجاء إلى الدوحة، ثم إلى ألمانيا، حيث كانت بشرى تخضع لعملية جراحية. عمل لسنوات عديدة كمتطوع في تدريس اللغة العربية للجالية السودانية في شمال كاليفورنيا. وعندما ذهبت لزيارته وأمضيت أياماً هناك معه، لم ندخل أياً من منازل أصدقائه الكثيرين، عبد المجيد بوب، وعبد الرحيم من الله، وخالد، والدكتور الرشيد وغيرهم، إلا أن الأطفال كانوا أول من استقبل “العم هاشم”، وكذلك أمرابي وإقبال وأبنائهم. وعندما رحل، في ذلك اليوم الكئيب، اجتمع الجميع من كل الأجيال لتوديعه، وبعد أشهر أقاموا يوما لا ينسى لإحياء ذكراه. لقد حاولوا وأصروا على حضوري، ولكنني لم أتمكن من الحصول على تأشيرة، فتابعتهم عبر سفير. وكانت الأسرة بأكملها ممتنة لما فعلوه في جميع المراحل، حيث أخذوا مكان الأسرة. كل ما أتمناه هو أن تسمح لي الأيام بالوقوف على قبره يوما ما، وقراءة الفاتحة وما تيسر من آيات القرآن الكريم، وأنقل إليه تحيات وشوق الأهل والأصدقاء، ورضا والديه عنه، وأتحدث معه كما اعتدت عن كل ما حدث بعد وفاته، وأبشره الوحيد، الذي يقيم وحيدا في الدوحة، الذي يفتح له أبواب المستقبل الذي يستحقه. رحمه الله وأحسن إليه، فقد كان إنساناً نادراً… ومؤثراً لمن حوله.




