اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-17 01:00:00
كشف تقرير حديث صادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، أن أزمة المدارس العمومية في المغرب ليست أزمة مناهج أو بنية تحتية فحسب، بل ترتبط، في العمق، بكيفية صنع الأستاذ نفسه، منذ لحظة التعيين إلى التكوين والتقييم وظروف العمل، محذرا من أن “جودة الأساتذة لا يمكن أن تتجاوز جودة السياسات العامة التي تشكل بيئة عملهم”. ويؤكد التقرير، الذي يزيد طوله عن 100 صفحة، أن آلاف الشباب يدخلون مهنة التدريس لا شغفا أو رسالة تعليمية، بل بسبب البطالة وانسداد الأفق المهني، خاصة بين خريجي الشعبتين الأدبية والإنسانية، حيث تحولت المدرسة، بالنسبة لفئة كبيرة، إلى “الملاذ الوظيفي الأخير” وليس اختيارا مهنيا واعيا. ويستند التقرير، الذي يحمل عنوان “مهنة الأستاذ في المغرب وفق معيار المقارنة الدولية”، الصادر عن الهيئة الوطنية للتقييم التابعة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين، إلى تشخيص ما تسميه “أزمة التعلم” داخل المدارس العمومية، استنادا إلى نتائج الاختبارات الوطنية والدولية مثل PISA وTIMSS وPIRLS، التي تؤكد ضعف تحصيل التلاميذ المغاربة، خاصة في التعليم الأساسي. لكن ما يشير إليه التقرير هو أنه ينقل النقاش من مستوى الطالب إلى “صناعة المعلم”، معتبرا أن المعلم ليس مجرد فرد داخل القسم، بل “نتاج سياسة عمومية كاملة” تشمل الاختيار والتوظيف والتكوين والترقية والتحفيز، وأن أي خلل في التخطيط سينعكس بشكل مباشر على جودة التعليم في المغرب. وفي هذا السياق، انتقد التقرير بشكل مباشر الطريقة التي تمت بها إدارة ملف التشغيل في السنوات الأخيرة، خاصة بعد اعتماد التشغيل الجهوي سنة 2016، حيث تحدث عن “التوظيف المتسرع” الذي تم “في ظروف غير مواتية”، مع تدريب قصير وعدم تأطيره بالشكل المناسب. ويربط التقرير هذا الالتباس بسلسلة من القرارات المتلاحقة والمتناقضة التي شهدها القطاع، بدءا من إنشاء مراكز جهوية لمهن التعليم والتدريب، وصولا إلى فصل التدريب عن التشغيل، ومن ثم اعتماد نظام التعاقد، قبل الانسحاب منه وإعادة هيكلة التدريب لاحقا. ويرى أن هذا التذبذب جعل كل محاولة للإصلاح تتحول إلى عنصر إضافي في تعميق الأزمة. ومن خلال مقابلات ميدانية مع أساتذة ومدراء ومفتشين تربويين في أربع مناطق، خلص التقرير إلى أن “الدوافع الخارجية” هي الأكثر حضورا في اختيار مهنة التدريس، أبرزها البحث عن الاستقرار الوظيفي والراتب الثابت، وليس الرغبة في التدريس أو حب نقل العلم. وينقل التقرير شهادات صريحة لأساتذة أكدوا أنهم لم يلتحقوا بالمهنة إلا بسبب البطالة أو الظروف الاجتماعية الصعبة. وقالت إحداهن: «اتجهت إلى هذه المهنة للضرورة»، فيما أكد أستاذ آخر أن التدريس «أنسب عمل للمرأة» بسبب ساعات العمل والعطلات المدرسية. كما يسجل التقرير أن مهنة التدريس فقدت قدرتها على استقطاب الطلاب المتفوقين أكاديميا، مشيرا إلى أن أفضل حاملي شهادات البكالوريا العالية غالبا ما يتجهون نحو المؤسسات ذات التوظيف المحدود، في حين تستقبل كليات التوظيف المفتوحة مجموعات تشكل فيما بعد الخزان الرئيسي للمسابقات التعليمية. وفي المقابل، أبرز التقرير أن الأنظمة التعليمية الناجحة عالمياً تعتمد معايير صارمة في اختيار المعلمين، وتربط الترقية المهنية بالأداء داخل القسم، مع توفير التدريب التطبيقي المستمر والمتابعة المهنية الدقيقة للأساتذة المبتدئين. وفي الوقت الذي تراهن فيه الدولة على توظيف أكثر من 200 ألف أستاذ بحلول العام 2030، يدعو التقرير إلى جعل هذه العملية مدخلا لإصلاح جذري لمهنة التدريس، يقوم على التوظيف الجيد والتدريب الصارم والتحفيز المهني وتحسين ظروف العمل، بدلا من الاكتفاء بمنطق سد النقص العددي. ويخلص التقرير إلى أن مستقبل المدرسة المغربية لن يتقرر فقط داخل الأقسام الأكاديمية، بل في كيفية بناء الدولة لصورة الأستاذ ومكانته وظروف عمله، معتبرا أن إصلاح التعليم يبدأ فعليا باستعادة مهنة التدريس باعتبارها “الرهان الاستراتيجي” للدولة والمجتمع.




