المغرب – أصوليات جديدة.. كيف تتحول الهوية من موطن للعيش إلى سلاح افتراس؟

أخبار المغرب16 فبراير 2026آخر تحديث :
المغرب – أصوليات جديدة.. كيف تتحول الهوية من موطن للعيش إلى سلاح افتراس؟

اخبار المغرب – وطن نيوز

اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-16 08:00:00

ولم تعد الأصولية اليوم مقتصرة على الدين، ولا على التفسير الصارم للنص المقدس، ولا على الخطاب اللاهوتي بشكل عام. إننا نواجه أصوليات جديدة، علمانية في مظهرها، وثقافية في لغتها، لكنها ليست أقل شراسة من أسلافها. أصوليات ترتقي بالهوية بتجريدها من بعدها التاريخي، وعملية تكوينها، وعمليات تحولها، وتحويلها إلى جوهر صلب، مكتفي بذاته، متجاوز للتعدد، لا يرى في الاختلاف إلا تهديدا يجب تحييده أو ابتلاعه. الأصوليون لهم فقهاء بلا مساجد، بلا نصوص مقدسة، بلا جلباب ولا «ريزات».. يتغذون على الثقافة واللغة والتاريخ والهوية، ويتقنون لغة الحداثة، لكنهم يمارسون منطق الإقصاء نفسه، ولو بأدوات أكثر ليونة وخداعا. وتسعى الأصوليات المتوحشة إلى تعريف نفسها من خلال التهام عنصر آخر داخل الكيان نفسه من أجل إثبات شرعيتها. من خلال تصوير هوية لا تعيش إلا في حالة صراع دائم، ولا تستمد معناها إلا من وجود «عدو» يجب تقليصه أو تشويهه أو نفيه رمزياً. ويعلمنا التاريخ الحديث أن الأصولية الدينية تنشأ في كثير من الأحيان من الخوف من الضياع وفقدان الموقف التاريخي عندما تتصدع المرجعيات الكبرى، ويبحث الإنسان عن اليقين الراسخ الذي يحميه من الشك. وما يحدث اليوم مع أصولية الهوية هو الوجه الجديد لنفس الآلية، حيث تعجز المجتمعات عن إنتاج عقد رمزي شامل وتفشل السياسة في إدارة التنوع، فتتحول الهوية المنغلقة إلى ملجأ نفسي جماعي. لكن الفارق الأساسي هو أن الأصولية الجديدة لا تعلن عن نفسها أصولية. فهو يختبئ خلف خطاب «الحقوق»، أو «الذاكرة»، أو «العدالة التاريخية»، أو «الدفاع عن اللغة»، بل ويطرح نفسه أحيانًا على أنه رافض للأصولية. وهنا تكمن خطورتها: لأنها تقدم نفسها كضحية بينما تلعب دور الجلاد الرمزي. وفي المغرب، حيث تشكلت الهوية تاريخيا من خلال التقاطع والتنوع، وليس من خلال النقاء العرقي والنقاء الثقافي المتخيل، ومن خلال الترجمة والاحتكاك مع مختلف الأجناس والإثنيات، وليس من خلال القطيعة والعزلة، نشهد اليوم عودة مقلقة للهويات آكلة اللحوم التي تريد أن تفترس – بحجة كونها أصل خالص – بقية المكونات، هويات لا تكتفي بالوجود والدفاع عن حقها في الوجود إلى جانب بقية أطراف الهوية المتداخلة، بل يريدون السيطرة، وتحديد الكل الاجتماعي كما هو. الأصيلة التي ترسمها في مخيلتها وفي خطابها، وتستبعد بقية مكوناتها لتثبت «قوتها الرمزية» أو أصالتها التاريخية وتفوق «جنسها» و«ثقافتها». هنا يلتقي متطرفو العروبة مع متطرفي الأمازيغ في مفارقة عجيبة: كل منهم يدعي الدفاع عن الذاكرة، بينما في العمق يمارسون محواً انتقائياً لها. إن الهوية الوحشية لا تعترف بالتاريخ باعتباره حقلاً من التعقيد والتداخل، لأنه يتطلب تاريخاً مبسطاً وخطياً وانتقائياً. تاريخ يستثني ما لا يخدم السرد، ويعظم ما يعزز الشعور بالنقاء أو القهر. ويتجلى ذلك بوضوح في السياق المغربي، في خطابات التطرف العربي والتطرف الأمازيغي. وكلاهما يبدأ من جرح حقيقي، لكنه يحوله إلى أيديولوجية دائمة. من الهوية كذاكرة إلى الهوية كسلاح. لم تكن الهوية بمعناها الحي والتاريخي تعريفًا نهائيًا أبدًا، بقدر ما ظلت سؤالًا مفتوحًا يجسد تراكمًا مائعًا للغات والأجساد والطقوس والتعبيرات والرموز والتقاليد والهجرات والانتصارات والهزائم. لكن عندما يتم اختزالها في عنصر واحد: لغة، أو أصل عرقي، أو رواية تاريخية مختارة بشكل تعسفي… فإنها تتحول إلى هوية وحشية، هوية تخاف من التنوع لأنها تخاف من نفسها. فالعروبيون المتطرفون لا يدافعون عن اللغة العربية باعتبارها لغة الانفتاح والترجمة والوسيط الحضاري. ومنهم من يبحث عن الأصول التاريخية لبقية المكونات ليعيدها إلى أصلها وعرقها، وكأنه الرافد الوحيد والباقي مجرد نسخ منه انتشرت في الأرض على مر العصور. وتصبح القومية العربية راية السيادة، وتتحول العربية بالنسبة لهم من أفق ثقافي فخم ومتطور، إلى خط فاصل بين «نحن» و«هم». وكل ما لا يندرج ضمن هذا التعريف فهو مختزل في الفولكلور، أو متهم بالانفصال، أو منسوب إلى عدو يرسم خرائط هويتنا ويمزق وحدتنا الوطنية. وهكذا يتم إفراغ العروبة من بعدها التاريخي المتوسطي والإفريقي، وتعاد صياغتها كهوية صلبة متعالية تنظر للأمازيغ خارج شريكها التاريخي، كتهديد مؤجل أو كخطة خطيرة من عدو مفترض لا تملك أسراره إلا هي. ومن المؤسف أن بعض سلوكيات المتطرفين الأمازيغ في قضية إنسانية مثل قضية فلسطين غالبا ما تضفي الشرعية على اتهامات بعض الأطراف بالأصولية القومية العربية. ومن ناحية أخرى، فإن المتطرفين الأمازيغ يعيدون إنتاج نفس المنطق، ولكن في الاتجاه المعاكس. وتتحول الأمازيغية من تجربة تاريخية ذات لهجات ومجالات وتمثلات متعددة، إلى جوهر عرقي خالص، يتم استدعاؤه خارج الزمن، وتقديمه على أنه الضحية المطلقة التي لا يمكن التشكيك فيها، وإعادة تقديمها على أنها الحقيقة الأصلية الوحيدة. قرون من التفاعل العربي البربري اختزلت في رواية صدام، وهي شيطنة كل من يذكرنا بأن التاريخ لا يُكتب بمنطق “نحن وحدنا نسيطر على البلاد”. نحن الحرية والتحرر، وثقافتنا رمز العقل والانفتاح، وباقي المكونات لا ترى إلا الجانب المظلم، حتى لو لم يكن من مصادر علمية موثوقة. الأصولية تفشل في أن تكون ثقافة ما يوحد هذين التيارين المتطرفين ليس ما يعلنانه، بل ما يخفينه: عدم القدرة على العيش في ظل التعقيد. فالأصولية -سواء كانت دينية أو ثقافية- هي دائما رد فعل على الهشاشة. عندما تعجز الذات عن احتمال التعدد، فإنها تبحث عن يقين راسخ، عن هوية منغلقة، عن «أصل» خالص لم يوجد في التاريخ لتستند إليه حتى لا تواجه قلقها. الهوية المتوحشة لا تحب التاريخ، لأنها لا تحتمل تناقضاته. فتختار ما يخدم كلامها، وتمحو الباقي. لا تحب اللغة إلا عندما تتحول إلى شعار، ولا تحب الذاكرة إلا عندما تصبح أداة تعبئة. أما الإنسان الحي المتعدد المتناقض… فلا مكان له في هذا الخطاب. في هذا السياق، تصبح الهوية أداة للسيطرة الاجتماعية تُستخدم للخيانة والتصنيف وتقسيم المجال العام إلى “أصيل” و”خارجي”، وإلى “وطني” و”مشبوه”. وهنا يكمن خطرها الأكبر: عندما تتحول الهوية خارج أي معنى تاريخي نقدي، من سؤال ثقافي إلى منطق إقصائي، ومن خلال خطابات جدلية تفتقر إلى الروح العلمية والبحث الرصين، وتتجه أغلبها نحو شهرة الأنا التي تدعي الدفاع عن حق ضائع. وهي تمارس العنف الرمزي الذي يعمل من خلال اللغة والتصنيف والخيانة والسخرية والنبش الانتقائي للماضي. في هذا العنف، يُجرد المغربي من شرعية وجوده الرمزي المتعدد، ويُطالب بالاختيار: إما هذه الهوية أو تلك. فإما أن تنتمي بالكامل، أو أنك متهم بالغموض أو الانتهازية أو عدم الأصالة. قد يبدو للوهلة الأولى أن المتطرفين العرب والمتطرفين الأمازيغ يقفون على طرفي نقيض، لكن التحليل العميق يكشف أنهما يشتركان في نفس البنية العميقة: هاجس النقاء من خلال البحث عن أصل نقي لم يكن موجودا أبدا، والخوف من التنوع، واعتبار الاختلاف تهديدا، وليس الثروة. ومن ثم اختزال التاريخ، حيث يتحول الماضي إلى أداة شرعية، وتتحول الهوية إلى أخلاق من معناها الوصفي إلى معناها العقابي وإنتاج عدو داخلي. هذه الخصائص تجعل الأصوليات المتعارضة تغذي بعضها البعض. كل تطرف يولد تطرفا مضادا، وكل خطاب إقصائي يعطي خصمه الذريعة ليصبح أكثر شراسة. المغرب: هوية فطيرة بلا مركز صلب. إن تاريخ المغرب لا يسمح بنشوء أصولية ناجحة، لأنه تاريخ فطيرة بلا مركز واحد. إنه تاريخ عبور حضارات وشعوب وألسنة مختلفة: الفينيقيون، والبربر، والعرب، والأندلس، والأفارقة، واليهود، والبحر الأبيض المتوسط. ولم تدخل اللغة العربية نفسها كقوة محو، بل كأفق للكتابة والترجمة. ولم تكن الأمازيغية أبدا هوية مغلقة، بقدر ما ظلت تجربة حية مفتوحة للتفاعل. ومن ثم فإن كل محاولة لتقديم المغرب على أنه “كيان واحد” هي خيانة لتاريخه. الهوية المغربية ليست معادلة حسابية، ولا مجموع جبري لعناصر ثابتة. فهو نسيج متحرك، ومن يريد أن يخفف منه فهو خوفاً لا علماً. إن الدفاع عن التنوع لا يعني تمييع الهوية أو إنكار الجراح التاريخية، لكنه يعني رفض تحويلها إلى رأسمال رمزي دائم. ولا يعني المساواة السطحية بين جميع الخطابات، لكنه يعني تفكيك منطق الافتراس الذي يسكنها من أجل إنقاذها من التحجر. ما نحتاجه اليوم ليس «هوية أقوى» أو أنقى من بقية مكوناتها. إننا حقا بحاجة إلى هوية أذكى تدرك أن القوة – بعيدا عن نقاء الأصل – تتجلى في القدرة على التعايش مع التناقض. إن الأصالة، خارج نطاق القضاء على الآخر، تكمن في الاعتراف بأن الآخر يسكننا. الهوية مسؤولية وليست جائزة يتم القتال عليها. إنها مسؤولية أخلاقية تتطلب منا ألا نحول ذاكرتنا إلى أداة للعنف، ولا لغتنا أو تاريخنا إلى محاكم تفتيش. حيث تصبح الهوية وحشية، تلتهم أصحابها من الداخل قبل أن تقضي على من تعتبرهم معارضين لها ويهددون هذا الطرف أو ذاك بالمحو. في المغرب اليوم، المعركة الحقيقية ليست بين عربي وأمازيغي. إنها بين هوية منفتحة على التطور التاريخي، وهوية منغلقة على صراع الأصول الصرفة. بين من يرى في التنوع ثروة، ومن يرى فيه مجرد خطر يجب تحييده. الهوية التي تستحق الدفاع عنها هي تلك التي تترك الباب مفتوحا وتقبله سؤالا وليس جوابا نهائيا. وتكمن الخصوصية المغربية في أن الهوية لم تبنى أبدا على عنصر واحد. لم يكن المغرب مشروع دولة قومية أحادية بالمعنى الكلاسيكي، بل كان فضاء تاريخيا للعبور والتراكم. اللغة العربية مكون وعمود فقري للهوية المغربية. ولم تكن اللغة الأمازيغية أبدا كتلة واحدة، بل عوالم متعددة فخمة، تعتبر روح الأمة المغربية التي تتغذى وتتنفس في الجبال والسهل والصحراء. لقد عاش الدين نفسه تاريخياً في أشكال متعددة من التصوف والفقه والعرف. ولهذا السبب، فإن كل مشروع لهوية أصولية في المغرب محكوم عليه بالفشل، أو بالعنف. لأن الواقع نفسه يقاوم الاختزال.

اخبار المغرب الان

أصوليات جديدة.. كيف تتحول الهوية من موطن للعيش إلى سلاح افتراس؟

اخبار اليوم المغرب

اخر اخبار المغرب

اخبار اليوم في المغرب

#أصوليات #جديدة. #كيف #تتحول #الهوية #من #موطن #للعيش #إلى #سلاح #افتراس

المصدر – أخبار ومقالات حول مجتمع – Hespress