اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-10 04:00:00
التدريب المبكر على عبثية الحياة. لم أكن يوما من محبي الألعاب الإلكترونية، ولم أتعلم تلك المهارة الغامضة التي تجعل الناس يقضون ساعات طويلة أمام شاشة صغيرة يطاردون عوالم افتراضية تبدو لهم أكثر واقعية من الواقع نفسه. لقد نظرت دائمًا إلى هذا الكون الرقمي بشيء من التحفظ، وربما ببعض الفضول الصامت أيضًا. لكن الصدفة قادتني ذات يوم إلى التجول في قاعات معرض عالمي لهذه الألعاب، دخلته دون تخطيط تقريباً، كما يدخل المرء مكتبة دون أن يعرف عناوين كتبها. في البداية، شعرت وكأنني غريب في مدينة لا أتكلم لغتها: شاشات عملاقة، وموسيقى إلكترونية صاخبة، وشباب يتنقلون بين الأجهزة برشاقة شخص يحفظ خرائط هذا العالم السري عن ظهر قلب. لكن الفضول بدأ يتغلب تدريجياً على تحفظي القديم. وبين منصة وأخرى اكتشفت أن هذه الألعاب لا تقتصر على الترفيه العابر كما كنت أعتقد، بل تفتح عوالم صغيرة تنسج القصص وتختبر الأفكار عن الإنسان وتلك الرغبة الغريبة التي تدفع الإنسان إلى اختراع حياة أخرى موازية للحياة التي يعيشها. لعبتان وسؤال واحد: ماذا نفعل بالعالم؟ لقد صادفت لعبة تسمى The Sims والتي بدت بسيطة ظاهريًا: تقوم ببناء منزل، وشراء أريكة، وطهي طبق من المعكرونة، ثم تشاهد مخلوقًا افتراضيًا يذهب إلى العمل ويعود متعبًا. يبدو الأمر كما لو كنت تشاهد نسخة مختصرة من الحياة. ومع ذلك، فإن هذه اللعبة، التي ابتكرها المصمم الأمريكي ويل رايت، ليست مسلية فحسب؛ إنه مختبر اجتماعي صغير، أو مسرح فلسفي خفي، يمارس فيه اللاعب إدارة الوجود الإنساني من خلف الشاشة. في لعبة The Sims، يتعلم اللاعب أول درس وجودي له: الحياة عبارة عن شبكة من الاحتياجات الصغيرة؛ النوم والطعام والصداقة والعمل والمرح. إذا أهمل الإنسان واحداً منهم، فسوف يسوء كل شيء. وهنا يبرز درس في الاقتصاد العاطفي للحياة: لا يكفي أن تنجح، بل يحتاج المرء أيضًا إلى قسط كاف من النوم حتى لا ينهار في المطبخ. ثم تقدم اللعبة درسًا ثانيًا: يستطيع الإنسان أن يحول حياة الآخرين إلى مشروع إداري. اللاعب يشبه مدير شركة غريبة اسمها: “حياة شخص آخر”. يقرر متى يستيقظ هذا الكائن، متى يعمل، متى يقع في الحب، وأحيانا، إذا ساءت حالته المزاجية، يرفع السلم من البركة ويتركه يتأمل عبثية الوجود حتى النهاية. ومع ذلك، فإن هذه اللعبة لا تعلمك التحكم بقدر ما تعلمك المفارقة؛ كلما حاولت تنظيم حياة سيمز بعناية، ظهرت المزيد من الفوضى من زاوية غير متوقعة: يحترق المطبخ، ويتقاتل الجيران، وينام الموظف في المكتب، ويقع الحبيب في حب الشخص الخطأ. وكأن اللعبة تهمس لك بسخرية لطيفة: أنت لا تدير الحياة، بل تشاهدها وهي تفشل بطريقة جميلة. لهذا السبب تعمل The Sims لثلاثة أشياء على الأقل: أولاً، إنها مدرسة خفية في علم الاجتماع، لأنها تكشف كيف تتشكل العلاقات، وكيف تؤثر البيئة والمال والعمل على السلوك البشري. ثانيًا، إنه مختبر واسع للخيال، لأنه يمكنك بناء مدينة فاضلة، أو حي فوضوي يشبه نشرة الأخبار. ثالثاً، هو تمرين فلسفي لأنه يذكرنا بأن الإنسان، مثل شخصيات اللعبة، يعيش بين احتياجات بسيطة وأحلام كبيرة، وبين خطة يومية دقيقة وكارثة صغيرة قد تحدث في أي لحظة. ولهذا يمكن القول أن The Sims هي لعبة عن الحياة، وفي نفس الوقت مرآة ساخرة لها. نحن نضحك عندما ينسى سيمز إطفاء الموقد، لكننا في الواقع نضحك لأننا نفعل نفس الشيء في حياتنا اليومية. وربما، وهذا هو الجانب المضحك، لو كان هناك لاعب يدير حياتنا من الأعلى، لكان بلا شك يضحك الآن، لأننا نحاول جاهدين أن نفوز في لعبة لم يشرح لنا أحد قواعدها. وفي مكان آخر من المعرض، بين الخيال والبرمجة، حيث تتحول المكعبات الصغيرة إلى جبال، ظهرت لي لعبة أخرى اسمها Minecraft. في بدايتها، تبدو اللعبة وكأنها عالم مصنوع من مكعبات: شجرة مربعة، وشمس مربعة، وحتى خروف يبدو وكأنه خرج من درس الهندسة أكثر مما خرج من المزرعة. لكن هذه البساطة البصرية تخفي واحدة من أعمق التجارب في تاريخ الألعاب. قام المبرمج السويدي ماركوس بيرسون بتصميم هذه اللعبة، وتحولت فيما بعد إلى ظاهرة عالمية بعد أن اشترتها مايكروسوفت. إلا أن سر اللعبة لا يكمن في الشركة أو التكنولوجيا، بل في فكرة بسيطة جدًا: امنح الشخص مساحة، وسيحاول بناء عالم. تبدأ اللعبة بلا شيء تقريبًا: بضع أشجار، وأرض مفتوحة، وليل يأتي بسرعة مثيرة للقلق. وإذا لم تتصرف بسرعة، فإن مخلوقات غريبة تزورك في الظلام لتذكرك بأن الفلسفة الوجودية يمكن أن تتحول بسرعة إلى مأساة رقمية. الدرس الأول الذي تقدمه اللعبة قديم قدم الحضارة نفسها: البقاء على قيد الحياة يبدأ بالبناء. تقطع شجرة، وتصنع فأسًا، وتبني منزلًا صغيرًا. هذه هي الطريقة التي ستتحول بها من الضياع في الغابة إلى أن تصبح مهندسًا معماريًا، حتى لو كان منزلك الأول يشبه صندوق أحذية كبير. ويؤكد الدرس الثاني أن الخيال أقوى من الواقع. في هذا العالم، يمكن للاعب بناء أي شيء يريده تقريبًا: مدن بأكملها، ومكتبات ضخمة، وحتى نسخًا من المعالم الحقيقية. وهنا تظهر المفارقة: يقضي الناس ساعات طويلة في بناء المدن في إحدى الألعاب، ثم في الواقع يتذمرون من ترتيب غرفة صغيرة في المنزل. ثم يصل اللاعب إلى الدرس الثالث، وهو أكثر تسلية: الإنسان لا يبني فحسب، بل يحب التعقيد أيضًا. وبمجرد أن يتقن أساسيات اللعبة، يكتشف نظامًا يسمى ريدستون، وهو نظام كهربائي صغير يسمح له ببناء الآلات والأبواب الأوتوماتيكية وحتى أجهزة الكمبيوتر البدائية. ويتحول اللاعب بعد ذلك من نجار بسيط إلى مهندس إلكترونيات يعمل ليلًا ونهارًا، كل ذلك حتى يقوم بإنشاء باب يفتح تلقائيًا. هذا هو السبب في أن لعبة Minecraft مفيدة للعديد من الأشياء: أولاً، إنها مدرسة خفية للإبداع، لأنها تعلم الأطفال والكبار أن البناء يبدأ بفكرة صغيرة. ثانياً، هو معمل مفتوح للتجارب، لأنك من الممكن أن تفشل عشر مرات في بناء منزل دون أن يطرق مفتش البلدية بابك. ثالثا، إنه تمرين فلسفي على معنى العالم، لأن كل ما يحيط بك يمكن تدميره وإعادة بنائه. ولعل أعظم نكتة فلسفية في لعبة ماين كرافت تكمن في هذا الأفق: إن العالم الحقيقي معقد للغاية بحيث لا يمكن إصلاحه، لذا فإننا نبني عالمًا آخر من المكعبات، فقط حتى نشعر، ولو للحظة واحدة، أننا نعرف كيف يبدأ الخلق. هل نلعب لنفهم الحياة… أم نهرب منها؟ هكذا غادرت المعرض تمامًا كما يدخل المرء كتابًا بدافع الفضول ثم يغادره وفي ذهنه أسئلة أكثر مما توقع. لم أصبح فجأة من عشاق الألعاب الإلكترونية، ولم أحمل معي رغبة في قضاء الليالي أمام الشاشات كما يفعل عشاق الألعاب، لكنني على الأقل خطرت ببالي فكرة مختلفة: هذه العوالم التي بدت لي مجرد تسلية صاخبة تخفي بداخلها شيئا من قصة الإنسان نفسه. بين حياة افتراضية مليئة بالتفاصيل اليومية في The Sims، ومدينة تُبنى لبنة على لبنة في Minecraft، يعود السؤال القديم بشكل جديد: ماذا يفعل الإنسان بالعالم عندما يضعه بين يديه؟ ولعل هذا ما يجعلنا نخطئ إذا نظرنا إلى هذه الألعاب على أنها مجرد وسيلة للترفيه. إنها في جوهرها مختبرات مصغرة للخيال الإنساني، مساحات يختبر فيها قدرته على خلق وتنظيم وإعادة تشكيل الممكن. أما مفارقتها الخفية فتتجلى في أنها تمنحنا سلطة بناء عوالم ذات تفاصيل متقنة، بينما نستمر، في عالمنا الحقيقي، في المضي بصبر شاق في محاولة فهم هذا العالم الأكبر والأكثر تعقيدا، الذي لم ننجح بعد في فهم أسراره. دعونا نتأمل؛ وإلى حديث آخر.




