اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-15 15:00:00
بعد سنوات طويلة من القطيعة، التي لم تكن مجرد غياب العلاقات الدبلوماسية، بل كانت امتدادا مباشرا لاصطفافات إقليمية حادة أعادت رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تعود العلاقات بين المغرب وسوريا إلى الواجهة من خلال زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى الرباط. حدث من هذا النوع لا يُقرأ كخبر بروتوكولي عابر، بل كلحظة سياسية كثيفة الدلالات، تخزن طبقات من التاريخ، وتكشف في الوقت نفسه كيف تعيد الدول ترتيب حساباتها عندما تتغير موازين القوى، وتنكشف تكلفة الاختيارات التي كان يُعتقد في السابق أنها نهائية. وعندما قرر المغرب، في ذروة الأزمة السورية، قطع علاقاته مع دمشق، لم يكن ذلك موقفا عاطفيا ولا قرارا ظرفيا، بل كان ترجمة واضحة لمبادئ راسخة في العقيدة الدبلوماسية المغربية، تتمثل في عدم التسامح مع أي دعم أو تغاضي عن مشاريع تستهدف الوحدة الترابية للمملكة، مهما كان مصدرها أو سياقها. وكانت الرسالة حينها واضحة لا لبس فيها: لا يمكن بناء علاقات طبيعية مع أطراف تتبنى أو تتسامح مع أطروحات تمس وحدة الدول. ومنذ تلك اللحظة ظل الموقف المغربي ثابتا لا تحكمه تقلبات اللحظة السياسية، فيما كانت المنطقة برمتها تعيش تحت تأثير التحولات السريعة والتحالفات المتغيرة والمعادلات التي تنكسر وتعاد صياغتها. في المقابل، تظهر التجربة الإقليمية خلال العقود الأخيرة أن عددا من الدول التي اختارت الاصطفاف مع المشاريع الانفصالية أو الدخول في تقاطعات سياسية مع النظام الجزائري في هذا الملف، وجدت نفسها على مسارات معقدة لم تكن في الحسبان. وبدلاً من تحقيق الاستقرار أو تحقيق مكاسب استراتيجية، أدت هذه الخيارات في كثير من الأحيان إلى اختلالات داخلية عميقة، تجلت في الأزمات السياسية والاضطرابات الأمنية والانقلابات، وتراجع واضح في قدرة الدولة على السيطرة على مؤسساتها ونطاقها الإقليمي. ومن ليبيا إلى مالي، مروراً بسوريا ودول الساحل الأفريقي، تتكرر المشاهد نفسها وإن اختلفت السياقات: الدول منهكة داخلياً، وتدفعها إلى إعادة تحديد أولوياتها تحت ضغط الحقائق، وليس تحت تأثير الشعارات. وفي قلب هذه التحولات، تتضح فكرة مركزية: الاستثمار في الصراعات المفتوحة أو دعم مشاريع التفكيك لا ينتج استقرارا مستداما، بل يتراكم تكلفة سياسية وأمنية واقتصادية تدفع الدول لاحقا إلى مراجعة خياراتها والعودة إلى منطق البراغماتية والتوازن بعد فوات الأوان. واليوم، مع عودة القنوات الدبلوماسية بين الرباط ودمشق، لا يبدو أن المغرب هو الذي غيّر موقفه أو راجع مبادئه، بقدر ما يبدو أن السياق السوري نفسه دخل مرحلة إعادة التموضع بعد سنوات من العزلة وإعادة هيكلة التحالفات الإقليمية. وبهذا المعنى، فإن الرسالة الأولى التي يبعث بها هذا التطور، داخليا وخارجيا، هي أن الدبلوماسية المغربية ليست سياسة رد فعل، بل هي مدرسة تقوم على الانسجام مع الذات. دولة تراكم مواقفها بهدوء استراتيجي، وتضع في قلب أولوياتها ثوابت غير قابلة للنقاش، وفي مقدمتها وحدة أراضيها، مع ترك بقية القضايا هامشاً مرناً للتكيف مع التحولات الدولية. وهنا تتضح المفارقة: ما يبدو وكأنه «عودة علاقات» ليس مراجعة لموقف، بل إعادة تأكيد على صحته بعد اختبار الزمن. أما الرسالة الثانية، فهي أوسع نطاقاً من الحالة السورية، وتمتد إلى بيئة إقليمية ودولية شهدت خلال العقدين الأخيرين سلسلة من الاضطرابات أظهرت بوضوح أن الرهان على تفكيك الدول أو استغلال الانقسامات الداخلية لا يؤدي إلا إلى نتائج عكسية. ومن سوريا إلى ليبيا، ومن مالي إلى دول الساحل، تتكرر أنماط الانهيار السياسي والأمني، مع إضعاف المؤسسات، وتآكل الدولة من الداخل، وفرض إعادة ترتيب الأولويات تحت ضغط الضرورة وليس الاختيار. وحتى في نماذج أخرى في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا وأميركا اللاتينية، تختلف السياقات، ولكن النتائج تتقاطع: فأي دولة تنخرط في منطق الانحياز الحاد أو إدارة الصراع كخيار استراتيجي دائم تجد نفسها في النهاية في مواجهة تكلفة باهظة، مما يضطرها إلى إعادة تموضعها وتصحيح مسارها تحت ضغط الواقع. ومن هنا يبرز البعد الأعمق لهذا التطور: ليس فقط في إعادة فتح الصفحة بين المغرب وسوريا، بل في كون الزمن السياسي نفسه يعيد فرز المواقف. إن منطق «استهداف استقرار الدول» أو «الرهان على التفكيك» يفسح المجال تدريجياً لمنطق أكثر واقعية يقوم على الاعتراف بالسيادة وأولوية الاستقرار كشرط لأي علاقة دولية قابلة للحياة. في النهاية، الأمر لا يتعلق بحدث دبلوماسي معزول، بل يتعلق بتأكيد أن بعض المواقف بنيت لتدوم، وأن الزمن مهما طال لا يعيد كتابة الحقائق بقدر ما يكشفها. ويواصل المغرب، في هذا السياق، تعزيز مكانته كدولة تراهن على طول عمرها، حيث تقاس السياسة بقدرتها على تحمل الزمن، وليس بوهج اللحظة.




