اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-12 14:07:00
في ظل التصعيد غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، تتكشف تدريجياً ملامح نوع جديد من الحروب يتجاوز المفاهيم التقليدية للصراع العسكري. لم تعد المواجهة الحالية، التي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية ضد إيران أواخر فبراير/شباط 2026، مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، بل تحولت إلى صراع معقد ومتعدد الجبهات، تتشابك فيه العسكرية مع السياسية والاقتصادية والإقليمية. وهذا التحول هو ما يحاول الخبير المغربي في الجغرافيا السياسية والأمن الاستراتيجي الدكتور الشرقاوي الروداني تفسيره من خلال تحليل نشرته صحيفة “الدبلوماسية الحديثة” تحت عنوان “حرب بلا مركز.. فسيفساء الدفاع الإيراني”، أشار فيه إلى أن الحرب المستمرة تكشف عن نموذج استراتيجي جديد يمكن وصفه بـ “الحرب بلا مركز”. وفي ما يتعلق بالموضوع، يشير الدكتور الشرقاوي الروداني في تحليله إلى أن الشرارة الأولى للحرب جاءت بعد الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير 2026 ضمن عمليتين عسكريتين أطلق عليهما اسم “عملية الغضب الملحمي” من الجانب الأمريكي، وعملية “زئير الأسد” من الجانب الإسرائيلي. واستهدفت هذه العمليات مراكز القيادة والبنية التحتية الحيوية في إيران في محاولة واضحة لتنفيذ ما يعرف في العقيدة العسكرية الغربية باستراتيجية الضربة الحاسمة للقيادة أو استراتيجية قطع الرأس الاستراتيجية. وفي سياق متصل، أوضح روداني أن هذا النوع من العمليات يرتكز على فرضية كلاسيكية في الفكر العسكري مستمدة من مفهوم مركز الثقل عند المنظر العسكري كارل فون كلاوزفيتز، والذي يفترض أن ضرب المركز السياسي أو العسكري للخصم يؤدي إلى شل قدرته على اتخاذ القرارات وتسريع انهيار نظامه الاستراتيجي. وبحسب تحليل الدكتور الشرقاوي الروداني، تحدثت عدة تقارير إعلامية في الساعات الأولى من الحملة عن تحييد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني. وبحسب القراءة التقليدية لكلاوزفيتز فإن استهداف مركز الثقل السياسي والعسكري يفترض أن يؤدي إلى حالة من الإرباك الاستراتيجي وانهيار القدرة على المقاومة. لكن التطورات اللاحقة للحرب، كما يوضح الروضاني، كشفت عن مسار مختلف تماما. وبدلاً من الانهيار السريع للنظام العسكري الإيراني، بدأت المواجهة تتخذ شكلاً أكثر انتشاراً وتعقيداً، مع اتساع نطاق العمليات وتضاعف مسارح الاحتكاك الإقليمي. وفي أعقاب ذلك، يشير الروداني إلى أن الرد الإيراني، الذي جاء تحت اسم عملية الوعد الحق الرابعة، لم يكن مجرد رد عسكري تقليدي بقدر ما مثل بداية مرحلة جديدة في طبيعة الصراع. وتحولت المواجهة تدريجياً إلى صراع متعدد المسارح، تميز بانتشار العمليات العسكرية إلى مناطق مختلفة من الشرق الأوسط. ومن وجهة نظره، يعكس هذا التطور تحولا أعمق في منطق الحرب نفسها، حيث لم يعد الهدف التوصل إلى حل عسكري سريع بقدر ما أصبح شن حرب استنزاف طويلة الأمد تهدف إلى إضعاف قدرات الخصم العسكرية والسياسية والاقتصادية تدريجيا. وفي قلب تحليل الدكتور الشرقاوي الروداني يبرز مفهوم أساسي وهو «الحرب بلا مركز». يعني نموذج صراع لا يعتمد على مركز قيادة واحد يمكن تدميره لإنهاء الحرب. وفي هذا النوع من الحروب، تتوزع القدرات القيادية والعسكرية عبر شبكة واسعة من المراكز التكتيكية المترابطة، بحيث لا يؤدي تدمير القيادة العليا إلى انهيار المنظومة العسكرية، بل قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى انتشار الصراع عبر الميدان العملياتي. وفي هذا الصدد، يرى الروداني أن ما حدث في الحالة الإيرانية يعكس بدقة هذا المنطق، حيث أدى استهداف مركز القيادة إلى تفعيل آليات المرونة العسكرية التي كانت مدمجة سابقا في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية. ويؤكد الخبير المغربي في تحليله أن هذه المرونة ترجع إلى عقيدة عسكرية طورتها إيران خلال العقود الماضية تعرف باسم الدفاع الفسيفسائي. ويقوم هذا المفهوم على تجزئة المجال العملياتي وتوزيع السلطة العسكرية على عدد كبير من الوحدات التكتيكية المستقلة، بحيث يصبح من الصعب شل المنظومة العسكرية بأكملها بضربة واحدة. ويوضح روداني أيضًا أن جذور هذا التفكير الاستراتيجي تعود إلى تجربة إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، عندما أدركت القيادة الإيرانية أن الأنظمة العسكرية المركزية معرضة للانهيار السريع أمام خصم يمتلك التفوق العسكري التقليدي. ويشير تحليل الروضاني إلى أن هذا الوعي تعزز مع بداية الألفية الجديدة بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، حيث أثبتت تلك الحروب مدى هشاشة الأنظمة السياسية والعسكرية شديدة المركزية عندما تواجه قوة عسكرية متفوقة. ومن ثم، بدأت إيران تدريجياً في تطوير هيكل استراتيجي يعتمد على توزيع السلطة العملياتية بين عدد كبير من الوحدات العسكرية وشبه العسكرية القادرة على العمل باستقلال نسبي مع الالتزام بالتوجيهات الاستراتيجية العامة. ويضيف الدكتور الشرقاوي الروداني أن قوة هذه الاستراتيجية لا تكمن فقط في البنية العسكرية الداخلية لإيران، بل أيضا في شبكة الحلفاء الإقليمية التي تمنح طهران عمقا استراتيجيا واسعا. وبحسب تحليله، تعتمد إيران على شبكة من الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، وجماعة الحوثي في اليمن، مما يسمح بتوزيع المواجهة على عدة جبهات في وقت واحد ويجبر المعارضين على التعامل مع عدد متزايد من نقاط الاحتكاك العملياتية. ويتطرق روداني أيضًا إلى البعد الاقتصادي للحرب في تحليله، موضحًا أن إيران تعتمد جزئيًا على منطق فرض تكاليف غير متماثلة، مشيرًا إلى أن الهجمات التي تستخدم طائرات بدون طيار وصواريخ منخفضة التكلفة يمكن أن تجبر الخصم على استخدام أنظمة دفاع باهظة الثمن لاعتراضها، مما يؤدي مع مرور الوقت إلى الإرهاق الاقتصادي التدريجي للطرف المنافس. ومن النقاط التي أبرزها تحليل الدكتور الشرقاوي الروداني أيضاً اتساع النطاق الجغرافي للمواجهة. ولم تعد الهجمات الإيرانية تقتصر على ساحة واحدة، بل اتسعت لتشمل أهدافا في نقاط عدة في الخليج، إضافة إلى البنية التحتية الاستراتيجية في المنطقة. ويرى أن هذا التوسع يعكس تطبيقا عمليا لعقيدة الدفاع الأمامي، وهو عقيدة تقوم على نقل ساحة المواجهة إلى ما وراء الحدود الوطنية لمنع تحول الأراضي الإيرانية إلى مسرح حرب كبير. وفي هذا السياق، يوضح الروداني أنه يمكن فهم الشرق الأوسط على أنه نظام استراتيجي مترابط يتكون من قواعد عسكرية وممرات بحرية ومنشآت طاقة وبنية تحتية حيوية، وأن استهداف هذه العقد يمكن أن يحول صراعاً إقليمياً محدوداً إلى أزمة ذات تداعيات دولية أوسع. وفي ختام تحليله المنشور في صحيفة “الدبلوماسية الحديثة”، يرى الدكتور الشرقاوي الروداني أن هذا النموذج من الصراع يمثل تحديا حقيقيا للمفاهيم التقليدية في الاستراتيجية العسكرية الغربية، مؤكدا أن العديد من المذاهب العسكرية الأمريكية بعد الحرب الباردة قامت على فكرة أن الضربات الدقيقة ضد القيادة يمكن أن تحقق نتائج حاسمة وسريعة، لكن الأنظمة العسكرية الموزعة مثل النموذج الإيراني تجعل هذه الفرضية أقل قابلية للتحقق. لذلك، يخلص الروداني إلى أن الصراعات الحديثة قد تعتمد بشكل أقل على القضاء على القادة وأكثر على تفكيك الشبكات التي تدعم العمليات الموزعة، مثل أنظمة الاتصالات، وسلاسل التوريد، وشبكات التمويل. وفي مثل هذه الحروب، لا يؤدي تدمير المركز إلى نهاية الصراع، بل قد يؤدي إلى انتشاره، مما يجعل الحرب الحالية مثالا واضحا لما يسميه “الحرب بلا مركز”، حيث لا يؤدي تدمير القيادة إلى نهاية الحرب، بل إلى إعادة توزيعها عبر شبكة أوسع من الجهات الفاعلة والمسارح.




