اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-22 03:01:00
ويعود موضوع العفو الملكي ليفرض نفسه بقوة في كل مناسبة دينية أو وطنية، فهو مبادرة إنسانية ذات أبعاد اجتماعية وروحية عميقة، تهم المستفيدين وأسرهم والمجتمع بشكل عام. دأب صاحب الجلالة الملك محمد السادس، كغيره من ملوك المغرب، على تخصيص عفو ملكي لعدد من المحكومين، وهو ما يجسد قيم التسامح وإعادة الإدماج. وفي هذا السياق، يجب على الإعلاميين والقانونيين والخبراء والباحثين التفاعل بشكل جدي مع قضية العفو الملكي، من خلال مناقشة قيمته الأخلاقية والتربوية والإنسانية، وتوضيح أهدافه ومزاياه وانعكاساته الإيجابية على المستفيدين وأسرهم والمجتمع ككل. وفي هذا السياق، أصدر جلالة الملك، كعادته، بمناسبة حلول عيد الفطر، عفوا ملكيا شمل ما مجموعه 1201 شخصا، بينهم موقوفين ومفرج عنهم، محكومين من مختلف محاكم المملكة. وشمل العفو 1182 مستفيدًا رئيسيًا، من بينهم 1063 سجينًا في المؤسسات السجنية (17 عفوًا كاملاً، و1045 تخفيفًا للأحكام، وقضية واحدة تم تحويلها من السجن المؤبد إلى حكم محدد)، و119 شخصًا مُفرج عنهم، توزعت فوائدهم بين عفو من أحكام بالسجن أو غرامات أو كليهما. كما شمل العفو 19 شخصا أدينوا في قضايا التطرف والإرهاب، بعد أن أعلنوا مراجعة مواقفهم الفكرية ورفضهم للتطرف، حيث استفاد 4 منهم من عفو شامل، و15 من أحكام مخففة، في خطوة تعكس تشجيع الدولة لمسارات المراجعة الفكرية وإعادة الإدماج. العفو الملكي ليس مجرد إجراء بروتوكولي، ولا يشكل إلغاء للعدالة. والعفو الملكي ليس مجرد إجراء بروتوكولي يتكرر في المناسبات الدينية والوطنية، كما أنه ليس حدثا عابرا يمر عبر نشرات الأخبار دون أن يكون له أي أثر يذكر. بل هي لحظة إنسانية عميقة تختزل فلسفة الحكم إلى بعدها النبيل، وتكشف جوهر العلاقة التي تربط المؤسسة الملكية بالمجتمع. لحظة تتجاوز منطق القانون الصارم إلى أفق أوسع، حيث تتدخل القيم، ويعلو صوت الرحمة فوق ضجيج النصوص. والعفو الملكي، في جوهره، ليس إلغاء للعدالة، ولا تراجعا عنها. بل هو تصحيح إنساني داخل نظام بشري معصوم بطبيعته من الخطأ. ويبقى القضاء، رغم استقلاله، مجالاً إنسانياً تتداخل فيه التقديرات والاجتهادات، وأحكامه قد تصح أو تخطئ. وهنا يبرز العفو كصمام أمان أخلاقي يعيد التوازن بين صرامة القانون ومرونة العدالة، بين النص وروحه، بين الحكم وما قد يترتب عليه من آثار اجتماعية وإنسانية. وإذا خلط البعض بين العفو والبراءة فإن الفرق بينهما جوهري. فالعفو لا يمحو الفعل ولا يلغي الجملة، بل يقدم فرصة جديدة، ويفتح بابا كان مغلقا، ويقول للمخطئ: “لا يزال أمامك طريق للعودة”. وهو إعلان الثقة في قدرة الإنسان على التغيير، والاعتقاد بأن الخطأ ليس النهاية، بل قد يكون بداية صحوة حقيقية. وفي سياق عيد الفطر الذي تتجلى فيه معاني العفو والتسامح، يكتسب العفو الملكي بعدا رمزيا مزدوجا. فهو لا يحرر الأجساد من أغلال السجن فحسب، بل يحرر النفوس من ثقل الماضي، ويعيد الأمل للعائلات التي أنهكها الانتظار. إنها فرحة لا تقاس بعدد المستفيدين، بل بعمق الأثر الذي تتركه في النسيج الاجتماعي، حيث تتحول المأساة إلى فرصة، والعقاب إلى بداية جديدة. العفو الملكي.. مجموعة رسائل. إلا أن العفو الملكي، في عمقه، ليس رسالة موجهة فقط إلى المستفيدين منه، بل هو رسائل موجهة إلى كافة مكونات المنظومة القضائية، بما في ذلك المجتمع المدني. وهو تذكير صامت بضرورة ممارسة أقصى درجات النزاهة، واستحضار البعد الإنساني في كل ملف، لأن وراء كل قضية حياة كاملة، وأسرة، ومستقبل قد يتشكل أو يتحطم بقرار قضائي. وهي أيضاً دعوة للمجتمع إلى عدم محاكمة من يُعفى عنه مرتين: مرة بالقانون، ومرة بنظرة الإقصاء. علاوة على ذلك، فإن العفو الملكي يطرح، بشكل غير مباشر، أسئلة كبيرة على وسائل الإعلام والنخب الفكرية والسياسية. لماذا لا يصبح موضوع نقاش عام جاد؟ لماذا لا يتم متابعة قصص المستفيدين بعد إطلاق سراحهم؟ لماذا لا يتم استثمار هذا الحدث في ترسيخ ثقافة الأمل وإعادة الإدماج بدلاً من الاكتفاء بتعداد الأرقام؟ والحقيقة أن العفو الملكي ليس قرارا سياديا فحسب، بل هو مدرسة في الحكم الإنساني. فهو يجسد فكرة أن الدولة ليست مجرد مؤسسات وقوانين، بل هي ضمير حي قادر على الموازنة بين الحقيقة والرحمة. وهو في الوقت نفسه تعبير عن البعد الأبوي للقيادة، حيث لا ينظر إلى المواطن كرقم في ملف، بل كإنسان معرض للخطأ وقابل للإصلاح. وفي زمن تتزايد فيه القسوة في العلاقات الدولية، وتضيق مساحات الرحمة داخل المجتمعات، يظل العفو الملكي رسالة مغربية بحتة مفادها أن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا بالإنسانية، وأن قوة الدولة لا تقاس فقط بصرامة قوانينها، بل بقدرتها على التسامح عندما يكون التسامح مناسبا. إذن، العفو الملكي ليس نهاية القصة.. بل بدايتها




