المغرب – من القسوة الصريحة إلى العنف المؤسسي… كيف تتشكل بنية الإقصاء الحديثة؟

أخبار المغربمنذ ساعتينآخر تحديث :
المغرب – من القسوة الصريحة إلى العنف المؤسسي… كيف تتشكل بنية الإقصاء الحديثة؟

اخبار المغرب – وطن نيوز

اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-19 08:00:00

عندما تستعير القسوة ملامح الكرامة، أي نوع من العقل هذا الذي لا يرتكب المأساة فحسب، بل يسعى أيضاً إلى تبريرها وصياغتها بالشكل الذي يبدو معقولاً ومشروعاً؟ أين يكمن العنف الأشد حقاً: في المشهد الصريح الذي صدمتنا قسوته، أم في اللغة القانونية الدقيقة التي تنظم القسوة وتخفيها تحت انضباط المصطلحات وجمود الإجراءات؟ متى يتوقف القانون عن حماية الإنسان ويبدأ بتنظيم إقصائه ومنح هذا الإقصاء شكل الشرعية؟ فكيف تحول البيروقراطية أنظمتها وترتيباتها وأساليب سيطرتها إلى سلاح فعلي لا يقل فتكاً عن العنف المباشر؟ فمن علم العنف أن يختبئ خلف لغة نظيفة، ويقدم نفسه كنظام عقلاني، وليس كجريمة؟ أليست المأساة الأعمق هي أن القسوة لا تكتفي بالفعل، بل تسعى إلى صقله، من خلال إعطائه اسما شرعيا، وإجباره على الظهور على شكل نظام وليس على شكل جرح؟ كيف تكتب الوحشية سيرتها؟ أشيل مبيمبي هو مفكر ومؤرخ كاميروني، ويعتبر من أبرز منظري ما بعد الاستعمار في الفكر المعاصر. تركز أعماله على انتقاد السلطة الحديثة والعنصرية وحدود السيادة. وهو معروف دولياً بمفهوم “السياسة الميتة (سياسة الموت)” كإطار نقدي يتناول السيادة باعتبارها قدرة السلطة على تقرير مسألة الحياة والموت، من خلال صنع القرار السياسي وآليات إدارة المخاطر اليومية. السلطة تنتج الموت عبر القتل المباشر، وكذلك عبر سياسات تفرض هشاشة مزمنة، كالحصار والتجويع والإفقار والعنف والسجون والمخيمات وتحويل الحدود إلى أدوات فرز، فضلا عن حرمان الناس من العلاج والسكن والنقل والعمل. صاغ أشيل مبيمبي هذا المفهوم لتسليط الضوء على السياسة الميتة كمقياس للموت والإقصاء والإبادة البطيئة ضمن المنطق الأمني ​​والاقتصادي والاستعماري. في كتابه “الوحشية”، يبني أشيل مبيمبي تشخيصا لعصر حيث أصبح “الهدم” نموذجا تشغيليا عالميا. لذلك، يستعير هذا المفهوم من هندسة الكتلة الصلبة الخشنة قراءة السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا ككتلة واحدة: التصعيد التقني، والرأسمالية الجامحة، والأزمات البيئية، والهجرة القسرية، مع استمرار الخيال الاستعماري الذي يعيد إنتاج الحدود والفرز ومن له حق البقاء في عالم يتراكم «الظلال» والنفايات، ويحتاج إلى إعادة إرساء قواعد الحكم الأخلاقي. وبهذا المعنى، فإن الوحشية، بالنسبة لأشيل مبيمبي، ليست هجومًا بدائيًا ولا قسوة سافرة؛ إنها هندسة عقلانية للعنف. كيف نعيد إنتاج النظام الذي يسحقنا؟ عندما قرأت هذه الدراسة أحسست أن يدي قد وضعت على مفاتيح غرفة التحكم في عصرنا هذا. لا يصف مبيمبي الوحشية من الخارج، لأنه يكشف جهازها الداخلي ويفكك طريقة عملها: كيف تهذب السلطة اللغة حتى تظهر القسوة في شكل «إدارة»، وكيف ترتب قراراتها بحيث تعطي الإقصاء شكل «إجراء» عادي، وكيف تدخل الإنسان في منطق إداري لا يعتبره كائنا حيا، بل ملفا خاضعا للتقييم. وبالتالي، لا يبدو أن الوحشية هي نظام منضبط ماهر في إخفاء عنفه وراء لغة نظيفة وإجراءات تبدو محايدة. وأكثر ما جذبني هو أن الدراسة لا تترك للقارئ ترف البراءة. فدفعني إلى التساؤل: كم مرة مرّ أمامي الموت على شكل خبر عابر؟ وهكذا فإن الوحشية الحديثة لا تحتاج إلى صراخ أو مشاهد دامية؛ إنها تنفذ أفعالها بهدوء أنيق وبرودة محسوبة. تستبدلون السكين بلغة القانون، وتتحركون تحت رايات الأمن والنظام والمصلحة العامة. تخفف من أثر القسوة بعبارات محايدة، ثم تعيد صياغة الألم على شكل ملف، والجرح على شكل تقرير، والدماء على شكل أرقام، والضحايا على شكل «حالات» يمكن أرشفتها. وهنا تكمن خطورتها: لأنها تبدو وكأنها عمل تم إنجازه بشكل جيد… وهي موثقة لأنها مختومة وموقعة. الوحشية لا تقتصر على لحظة إطلاق الرصاصة، لأنها تتشكل قبل ذلك في المسافة الزمنية التي تخلقها السلطة: انتظار طويل يولد اليأس، ويُعوِّد الجسد على التنازل. وهنا يلعب الزمن دوراً مباشراً في العنف: فهو يرهق الإنسان، ويؤجل الحل، ويستنزف طاقته خطوة بعد خطوة، حتى يجبره على الاستسلام، ويجعله يبدو وكأنه النتيجة الطبيعية لكل هذه الضغوط المتراكمة. وفي هذا السياق يوضح مبيمبي أن الاستعمار لم ينسحب من التاريخ، بل غيّر أدواته، وجدّد صياغاته، وأعاد منطقه ضمن أشكال جديدة من السيطرة أكثر قدرة على الإخفاء، وأكثر إحكاما في إدارة القهر. ولذلك، فهو لم يعد بحاجة إلى أدوات القسر المباشرة، لأن اقتصاداً يَعِد ثم يتراجع، وحدود تعمل بمنطق الأبواب الدوارة، كافية لإعادة إنتاج التأثير نفسه: فتح مؤقت يتبعه إغلاق، وأمل يُعطى بشكل يمهد لمصادرته. ويرتكز هذا المنطق أيضاً على خطاب إنساني ناعم يدين العنف على المستوى العام، لكنه يواصل إنتاجه عبر أدوات أكثر انضباطاً وفعالية، مثل القوانين والتصنيفات ومعايير الأهلية والقرارات الباردة. ومن ثم فإن الاستهداف لا يقتصر على فئة معينة، بل يمتد إلى معيار الإنسان نفسه، أي حقه في زمن كامل، وحياة غير معلقة، ووجود لا يقاس بقدرته على المحو. لكن مبيمبي لا يصوغ تفكيره من موقع اليأس المطلق، لأنه يشير، في قلب هذه الليلة الكونية، إلى أفق مختلف تمثله أخلاق التعايش، حيث القيمة الإنتاجية لا تحدد معنى الحياة، والوثيقة لا تقلل من واقع الجسد، والاختلاف لا يدفع المجموعة إلى التعامل معه كتهديد. ولذلك فإن مقاومة الوحشية لا تقوم على إنتاج العنف المضاد، بقدر ما تقوم على إعادة تصور العالم خارج منطق الإبادة المؤجلة. عندما تتم إدارة الوحشية بعقل بارد، فهل تكون الوحشية عرضية للحداثة… أم أنها قلبها الصامت؟ هل المشكلة في العنف حين ينفجر، أم في العقل الذي يجعله «منطقياً» و«قابلاً للإدارة»؟ لماذا نتجنب التحديق لفترة طويلة؟ لأننا نخشى أن ينكشف لنا أن ما نعتقد أنه خطأ في النظام ليس خطأ على الإطلاق، بل هو أحد شروط عمله. فماذا تعطينا المواجهة: ذنب آخر نضيفه إلى أعباءنا، أم فهم يفتح لنا باب التغيير؟ لا يعتبر مبيمبي الوحشية خروجًا عن الحداثة؛ وهو أحد وجوهه الذي تدربنا على المرور عليه حتى لا نراه. التحديق فيها ليس ضربا من جلد الذات بقدر ما هو استعادة للبوصلة. لأن مستقبل الإنسان مرهون بكسر هذه العقلانية القاتلة التي تحول الحياة إلى معاملة، والكرامة إلى شرط أهلية، والوجود إلى ملف يطوى عند الختم الأول. والسؤال الحاسم إذن: هل نستعيد معنى الحياة قبل أن تتحول كليا إلى إجراء إداري.. أم نستمر في تسليمها لنظام يعرف كيف ينهي كل شيء دون ضجيج؟ لكن مبيمبي لا يتوقف عند العنف كحقيقة، لأنه يدفع بالتفكير فيه نحو البيئة التي يحتلها. ومن وجهة نظره، فإن الوحشية تخلق مناخًا يتم فيه إعادة تشكيل الحساسية الإنسانية نفسها. ومن ثم تفقد اللغة براءتها، وتتحول مصطلحات مثل الأمن والاستقرار والتنمية إلى غطاء مبرر: نقول شيئاً ونعيش نقيضه، دون أن يرتجف الضمير العام. الوحشية بهذا المعنى هي إعادة تنظيم للمعنى الأخلاقي. ولم يعد السؤال: “هل هذا عنف؟” لكن: “هل هذا ضروري؟” وهكذا يتم استبدال الحكم الأخلاقي بحساب الجدوى. وكل ما لا يخضع لمنطق المنفعة يستبعده هذا النظام إلى الهامش حتى يذبل. وهكذا، في هذا التحول الصامت، تستبدل السلطة القيم بالمعايير، والكرامة بالمؤشرات، والإنسان بالأرقام. يدفع هذا النظام الإنسان إلى العيش في هشاشة دائمة، بين القانون والحياة. ويأخذ العنف هنا شكلاً أكثر دهاءً ودهاءً: فهو يمنحه الوعد بالبقاء، ثم يجرده تدريجياً من شروطه. ومن قلب هذا الإرهاق تولد نفس متعبة ومكسورة، تضعها السلطات، مرة تلو الأخرى، تحت اختبار مدى صلاحيتها للحياة. الذات هنا ليست ضحية صامتة، بل كائن يعيد تشكيله الضغط، ويوجهه في صمت، ويجبره أحيانًا، دون أن يدري، على إعادة إنتاج النظام الذي يسحقه. لكن مبيمبي يفتح تحليله على أفق آخر: ضرورة تفكيك الخيال السياسي الذي يخلق الظروف الملائمة للوحشية. إن الأنظمة لا تصمد بالقوة فحسب؛ كما أنها تستمد ديمومتها من الصور التي نخلقها للخطر، وللآخر، وللمستقبل. ولذلك فإن المقاومة تبدأ على مستوى الخيال قبل أن تصل إلى مستوى المواجهة: تصور انتماءات أخرى، وحدود أخرى، وأشكال أخرى من العيش المشترك. تخيل سياسة لا يحركها الخوف، ولا يدعمها فائض الموت. التواطؤ الهادئ لم تعد الوحشية مجرد عنف يلحق بالبشر. ويتطرق الآن إلى معنى الوجود نفسه. فالسلطة لا تدير الأفعال فحسب، بل إنها ترتب الوجود إلى درجات: وجود كامل تعترف به، ووجود ناقص تتحكم فيه، ووجود فائض تمحوه دون أن تهز النظام. يؤدي هذا التقدم وظيفة خوارزمية صامتة في الاقتصاد والقانون والتكنولوجيا؛ وذلك لأن الرؤية لا تشمل كل ما هو موجود، كما أن الحساب لا يشمل كل ما يدخل في مجال الرؤية. ثم تدفع هذه الآليات العديد من الكيانات إلى المنطقة الرمادية، حيث يتم تعليق بعض الأرواح على حافة الوجود، وتعرض بعض الأرواح لتهديد دائم بالإلغاء، مما يؤدي إلى استنزافها ببطء وبلا هوادة. خطورة هذه الوحشية تنبع من أنها تفصل الحساب عن الحكم، والسيطرة عن الفهم، وتبني منظمة توزع المسؤولية بشكل يكاد يمحوها. وهكذا فإن كل طرف يفترض جزءا محدودا يبدو مشروعا ظاهريا، والشر يتمثل في نهاية المطاف في التراكم المنهجي لأداء يعتبره الجميع صحيحا. ومن هنا يفتح مبيمبي أفقًا أخلاقيًا مختلفًا: أخلاقيات لا تؤسسها الشفقة ولا يضمنها التشابه، بل تتشكل من خلال التعرض المتبادل الذي يربط هشاشتي بهشاشة الآخر، ويكشف أن بقاءي الفردي داخل آلة الإقصاء ليس سوى بقاء غير مكتمل. فكيف نؤسس للحكم الأخلاقي في عالم يبرر نفسه باسم “الضرورة”؟ كيف نعيد المسؤولية إلى نظام يوزع العنف حتى يمحو مرتكبه؟ والأهم: كيف يتغير الكلام ليصبح «المصلحة العامة» غطاء للخسارة؟ ومن له الحق في تحديد من يستحق الحياة، ومن يبقى على هامشها؟ هل يمكن أن تكون الوحشية أكثر فتكًا عندما ترتدي ملابسك وتبتسم؟ دعونا نتأمل؛ وإلى حديث آخر.

اخبار المغرب الان

من القسوة الصريحة إلى العنف المؤسسي… كيف تتشكل بنية الإقصاء الحديثة؟

اخبار اليوم المغرب

اخر اخبار المغرب

اخبار اليوم في المغرب

#من #القسوة #الصريحة #إلى #العنف #المؤسسي.. #كيف #تتشكل #بنية #الإقصاء #الحديثة

المصدر – أخبار ومقالات حول مجتمع – Hespress