اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-18 00:07:00
وجدي الأهدل* الحياة التي وهبت لنا – لفترة محدودة – تحتوي على ملايين التفاصيل التي تستحق اهتمامنا. لكن الإنسان العربي في عصرنا هذا أهمله ووضعه خلفه وركز كل اهتمامه على تفصيلة واحدة صغيرة وهي السياسة فقط. العرب اليوم منغمسون في أنفسهم، يتابعون نشرات الأخبار على مدار الساعة، ولا تفوتهم أدنى التفاصيل. لكن من هم الإنغماسيون؟ وظهر المصطلح لأول مرة عام 2001، أثناء الحرب الأمريكية على أفغانستان، واستخدمه تنظيم القاعدة لوصف مقاتليه النخبة، على غرار نخبة القوات الأمريكية (الكوماندوز). وفيما يلي تعريف (الإنغماسيين) بحسب تقرير مركز الروابط للأبحاث والدراسات الاستراتيجية: “للإنغماسيين مهام قتالية مثل الانغماس في وسط قوات العدو والاشتباك معهم في عمق تحصيناتهم بهدف إرباكهم والتأثير على معنوياتهم، وتسهيل مهمة الفصيل الذي ينتمون إليه في الاقتحام والسيطرة. وعادة ما يأتي دور الإنغماسيين بعد الانتحاريين الذين يفتحون ثغرة في الخطوط الأمامية للعدو من خلال عملية انتحارية أو عدة تفجيرات، وبعدها يدخل الإنغماسيون لإكمال المهمة”. تعطيل الصفوف الأمامية للعدو، تمهيداً لهجوم بقية أفراد الفصيل، وفي بعض الأحيان تكون مهمة الإنغيميين هي إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية بالخصم، دون أن يتبعه هجوم أو يكون هدفه تحقيق تقدم ميداني. وفي هذه الحالة يكون الإنغيميون داخل منطقة العدو، بعيدا عن الخطوط الأمامية. وفي هذه الحالة يتم عادة اختراق منطقة سيطرة العدو وتنفيذ عملية انتحارية داخلها. ويستغل الإنغيميون حالة الفوضى في موقع الانفجار، فيهاجمون العناصر التي استهدفها التفجير ويقضون عليهم. ومن يعجز عن تفجيره، ومن يأتي لينصره، فإنهم يخلقون حالة من البلبلة في المكان، وكثيرًا ما يتقاتل الانغماسيون حتى يُقتلوا»(١). والواضح أن المواطن العربي العادي أصبح «انغماسيًا» دون أن يدرك أنه غارق من أخمص قدميه إلى أعلى رأسه في أعماق السياسة. فإذا فتح شاشة التلفزيون، تابع القنوات الإخبارية الفضائية التي تزوده بالأخبار 24 ساعة يوميًا، وهذا أمر جرعة جنونية تسبب الخرف، وإذا تصفح الفيسبوك، هذا هو الواقع. الجيل السابق كان يعمل في النهار، ثم يستريح في المساء، وفي التاسعة ليلاً يشاهد الأخبار اللعينة لمدة ساعة، ثم يشاهد فيلماً أو حلقة من المسلسلات، ثم ينغمس في إنجاب الأطفال، أي أن الإنسان كان منغمساً في حياته الشخصية، ولا ينغمس في شؤون خارج نطاق حياته اليومية إلا بالحد الأدنى أمور: عن الانغماس في البحث العلمي، عن تطوير التعليم الأساسي والأكاديمي، عن التشبع بالأدب والفنون، الذي يضعف وقد يحيد الكراهية الناتجة عن التسييس المفرط للإنسان العربي، فالانغماس الكامل في السياسة لن ينتج إنساناً عادياً أبداً، وهذا الشخص الذي يستهلك كميات كبيرة من (السياسة) غالباً ما يعاني من أمراض نفسية عميقة والسبب هو أن السياسة بشكل عام، وفي المنطقة العربية بشكل خاص، أكثر تقلبا من الأحوال الجوية، والأوضاع أكثر تقلبا من الأحوال الجوية. الماء في الغربال، وقد يتغير اتجاه الريح عدة مرات في اليوم الواحد، وهذه التغيرات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وبالعكس لن تمر مرور الكرام، لكنها ستخلف بلا شك أضرارا جسيمة، بالطبع، غير محسوسة، وحتى العقل نفسه لن يوافق على أن الضرر قد وقع، لكن الحقيقة أن الدمار الذي تسببه هذه التغييرات على المستوى النفسي أمر لا مفر منه، فها هو العربي يكاد يتحول إلى روبوت مملوء بمشاعر معينة، ويتصرف مثل جهاز التحكم عن بعد! يريد! تراه في الصباح يحب هذا ويكره ذاك، وفي المساء يضغط السياسي على زر مختلف فتجده قد تحول تماماً، يكره من كان ينسجم معه في الصباح، ويتصالح مع الآخر عدوه، ويقول في نفسه: «ظننته عدوي، وها هو أحب إلي من نفسي!! وفي اليوم التالي تنقلب الأمور من جديد، فيتحول الأخ إلى عدو، والعدو إلى أخ، وهكذا، تلعب السياسة ألعابها وهي تضحك سراً على هذا الروبوت الغريب الذي يرد عليه في كل مرة دون تأخير أو تردد. يمكننا أن نقبل أن 5% من المجتمع منشغلون بالشأن السياسي، وعلى هؤلاء أن يتفرغوا للعمل السياسي، فهذا هو تخصصهم، والدور المنوط بهم لخدمة مجتمعهم، ولا مانع من انغماسهم في التفاصيل السياسية، حتى يكتسبوا المهارة المطلوبة، حتى يتمكنوا من إنجاز وظائفهم السياسية وفق أعلى المعايير المهنية. أما 95% من المجتمع فعليهم الاهتمام بإتقان تخصصاتهم، وتوزيع وقتهم الفائض على أنشطة حياتية أخرى، كالقراءة، وممارسة الهوايات التي يحبونها، وحضور العروض والحفلات المسرحية والسينمائية، والانضمام إلى النوادي الرياضية لممارسة الرياضة ومشاهدة المسابقات الرياضية، وغيرها من الأنشطة الاجتماعية التي لا تعد ولا تحصى. السياسة تجعل الحياة أضيق من ثقب الإبرة، وحتى الصدور تصبح ضيقة لا تقبل البعيد ولا حتى القريب، وفي النهاية قد لا يتقبل الإنسان نفسه إلا على مضض! قراءة الكتب الأدبية والعلمية، بالإضافة إلى ممارسة الهوايات المفيدة للجسم، لها تأثير رائع على النفس البشرية. إنها تخرج الإنسان من ضيق الأفق إلى رؤية أوسع بحجم الكون، وتنزع أشواك الحقد من القلب، فيعود إلى ما كان عليه بحسب الفطرة التي خلقه الله عليها، كقلب الطفل الذي لا يحمل حقداً لأحد. أعلم أن العديد من القراء لن تعجبهم هذه النظرة الإنسانية للحياة، خاصة أولئك المنغمسين في الصراع السياسي، الذين يقضون ويستهلكون حياتهم في الصراع، والذين سينتقدونني لأنني توقفت عن ممارسة لعبة الصراع. إنهم في حالة صراع دائم، ويشعرون بالغضب الشديد عندما يتقدم شخص ما ويكشف لهم كيف تم استدراجهم للانغماس في أنفسهم. وربما كان إدوارد بيرنيز، مؤسس الدعاية، يضحك على ضحايا نظرياته في السيطرة على وعي الجماهير. * روائي وكاتب يمني (1) https://rawabetcenter.com/archives/14327



