اليمن – التحليل الاقتصادي: عندما يتحول «سعر الصرف المستهدف» إلى أمنية اقتصادية

اخبار اليمنمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
اليمن – التحليل الاقتصادي: عندما يتحول «سعر الصرف المستهدف» إلى أمنية اقتصادية

اخبار اليمن – وطن نيوز

اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-13 22:58:00

تحليل اقتصادي: عندما يتحول “سعر الصرف المستهدف” إلى أمنية اقتصادية، يقول الدكتور جلال حاتم، لا يختلف أحد على أن استقرار سعر الصرف يمثل أحد أهم مفاتيح تخفيف الأزمة المعيشية في اليمن، ولا يمكن إنكار العلاقة الوثيقة بين انهيار قيمة العملة الوطنية واتساع نطاق الفقر والتضخم وتآكل الدخول الحقيقية للأسر اليمنية. ومن هذه الزاوية تبدو الدعوة إلى استعادة قوة الريال اليمني مطلباً مشروعاً ومفهوماً بل وضرورياً في ظل التدهور الاقتصادي الذي تعيشه البلاد. لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في تحديد الرقم المستهدف لسعر الصرف، بل في الأسلوب والأساليب الواقعية لتحقيقه. إن الحديث عن إعادة سعر صرف الريال اليمني إلى حدود 140 ريالاً مقابل الريال السعودي، كما كان الحال قبل التقسيم النقدي، يبدو أقرب إلى وصف «النتيجة المرجوة» منه إلى تقديم برنامج اقتصادي قابل للتطبيق في الظروف الحالية. وذلك لأن سعر الصرف ليس قراراً إدارياً يمكن فرضه بشكل مجرد. بل هو انعكاس مباشر لحجم الاحتياطيات الأجنبية، ومستوى الثقة في النظام المالي، وقدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي، وطبيعة السياسة النقدية والمالية، ومدى استقرار الدولة ومؤسساتها. ومن هنا يطرح السؤال الأهم: من أين سيحصل البنك المركزي في عدن على ما يكفي من العملة الأجنبية لفرض هذا السعر والحفاظ عليه؟ وفي حال عدم توفر احتياطيات حقيقية ومستدامة من النقد الأجنبي، فإن أي محاولة لفرض سعر صرف منخفض بشكل مصطنع قد تؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها عودة السوق السوداء بقوة أكبر، واتساع فجوة المضاربة، وتهريب العملات الأجنبية، وفقدان الثقة في النظام المصرفي، واستنزاف الاحتياطيات النقدية المتبقية. ولعل التجارب الدولية تقدم دروسا مهمة في هذا المجال. وفي الأرجنتين، نجحت الحكومة خلال تسعينيات القرن العشرين في ربط البيزو بالدولار بنسبة واحد إلى واحد، وبدت التجربة في بدايتها وكأنها نموذج للاستقرار النقدي. ومع ذلك، كان هذا الاستقرار يعتمد على تدفقات رأس المال والاقتراض الخارجي أكثر من اعتماده على قوة الاقتصاد الحقيقي. وعندما تراجعت الثقة وتضاءلت التدفقات المالية، انهار النظام النقدي ودخلت البلاد في أزمة عميقة في عام 2001، مما أثبت أن تثبيت سعر الصرف ليس كافيا إذا لم يكن مدعوما بأسس اقتصادية قوية. وفي مصر، حاولت السلطات النقدية لسنوات الدفاع عن سعر صرف رسمي أقل من السعر الذي تفرضه قوى السوق. وكانت النتيجة توسع السوق الموازية، واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية، وزيادة المضاربة. ولم يتحقق قدر من الاستقرار النسبي إلا بعد اعتماد إصلاحات مالية ونقدية أوسع نطاقا، على الرغم من أن هذه الإصلاحات كانت مصحوبة بتكاليف اجتماعية ومعيشية كبيرة. أما لبنان، فقد قدم مثالاً أوضح على هشاشة الاستقرار النقدي القائم على التدفقات الخارجية. وظل سعر صرف الليرة مستقرا لعقود عديدة، لكن هذا الاستقرار اعتمد على استمرار تدفق الأموال إلى القطاع المصرفي أكثر من اعتماده على قوة الاقتصاد الإنتاجي. وعندما تراجعت هذه التدفقات، انهار النظام المالي، وانهارت معه العملة بشكل غير مسبوق. وفي زيمبابوي حاولت السلطات مرارا فرض أسعار صرف رسمية لا تعكس الواقع الاقتصادي، إلا أن السوق الموازية كانت تفرض سعرا مختلفا يعكس واقع العرض والطلب ومستوى الثقة في العملة الوطنية، لينتهي الأمر بواحدة من أسوأ تجارب التضخم والانهيار النقدي في العصر الحديث. في المقابل، تكشف تجارب أخرى أن استقرار العملة كان نتيجة إعادة بناء الاقتصاد والدولة، وليس نتيجة استهداف رقم محدد لسعر الصرف. وبعد الحرب الأهلية في رواندا، ركزت الحكومة على بناء المؤسسات، وتحسين الحكم، وتعزيز الإيرادات العامة، وجذب الاستثمار، وتحفيز الصادرات. كما نجحت فيتنام في دعم استقرار عملتها من خلال التحول التدريجي إلى اقتصاد إنتاجي وتصديري قادر على توليد النقد الأجنبي بطريقة مستدامة. والقاسم المشترك بين كل هذه التجارب هو أن قوة العملة لم تكن نقطة البداية، بل كانت نتيجة لعملية إصلاح اقتصادي ومؤسسي طويلة. ويصبح المشهد الاقتصادي والسياسي أكثر تعقيداً عندما تصبح الدولة أو السلطة القائمة معتمدة إلى حد كبير على الخارج لتمويل الإنفاق العام، أو دعم العملة الوطنية، أو تغطية الاحتياجات الأساسية للسكان. وهذا الاعتماد لا يجعل الاقتصاد هشاً فحسب، بل يضع القرار الاقتصادي نفسه تحت تأثير الحسابات السياسية والإقليمية والدولية. وفي الحالة اليمنية، لا يمكن فصل أزمة سعر الصرف عن طبيعة الاعتماد الكبير على الودائع والمنح والمساعدات الإنسانية والتحويلات الخارجية والدعم السياسي والعسكري. وكل تحسن مؤقت في سعر العملة يصبح مرتبطا باستمرار التدفقات الأجنبية أكثر من قدرة الاقتصاد المحلي على إنتاج القيمة أو توليد النقد الأجنبي بطريقة مستدامة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ لأن الاقتصادات التي تعتمد بشكل مفرط على الخارج تفقد تدريجيا قدرتها على بناء سياسات اقتصادية مستقلة، وتصبح أكثر عرضة لتغير أولويات المانحين، والتحولات الجيوسياسية، والتقلبات الإقليمية. وقد يؤدي الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي إلى تأجيل الإصلاحات الهيكلية الضرورية، لأن التدفقات المالية المؤقتة تمنح النظام الاقتصادي قدرة محدودة على الاستمرار دون معالجة جذور الاختلالات الهيكلية المرتبطة بالإنتاج والإيرادات والحوكمة والفساد والانقسام المؤسسي. ومن هنا، فإن استقرار العملة الوطنية لا يمكن أن يعتمد على الدعم الخارجي وحده، مهما كان حجمه، لأن أي استقرار لا يقوم على قاعدة إنتاجية ومؤسسات مستقرة وسيادة اقتصادية فعلية يبقى هشاً وعرضة للانهيار عند أول تغيير سياسي أو مالي خارجي. والحقيقة أن التجارب العالمية، بما فيها تجارب الدول التي شهدت حروباً أو انقسامات نقدية أو أزمات مالية حادة، تؤكد أن استقرار العملة لا يتحقق بالشعارات أو التمنيات، بل عبر حزمة متكاملة من الشروط، أهمها التوحيد الفعلي للسياسة النقدية. إعادة بناء الثقة في المؤسسات. – استعادة الموارد السيادية والإيرادات العامة. – تحفيز الصادرات ومصادر النقد الأجنبي. – ضبط الإنفاق العام والحد من التمويل التضخمي. إنهاء تعدد مراكز التحصيل والإنفاق خارج الموازنة. – الحد من الهدر الحكومي، والذي يتجسد في كثرة السفارات والدبلوماسيين، والتصريحات الوهمية في صفوف القوات المسلحة، وصرف «الإعاشة». وجود سلطة دولة قادرة على تطبيق القانون في كامل الجغرافيا الاقتصادية “المتاحة”. ويبدو أن المشكلة في الحالة اليمنية على وجه الخصوص أكثر تعقيدا، لأن الاقتصاد لا يعاني من أزمة نقدية فحسب، بل من انقسام اقتصادي وسيادي شامل، حيث يوجد عمليا سلطات نقدية متعددة، ومراكز تجميع متنافسة، وسياسات مالية غير موحدة، واقتصاد حرب مؤثر على نطاق واسع، واعتماد مفرط على التحويلات والمساعدات الأجنبية، وتراجع حاد في إنتاج وصادرات النفط، بالإضافة إلى التحديات الاقتصادية والأمنية التي يمثلها انتشار التنقيب العشوائي والمصافي البدائية في حضرموت خارج الإطار المؤسسي للدولة. معقد. ولذلك فإن اختزال الأزمة في “تخفيض سعر الصرف” قد يثقل كاهل السياسة النقدية بما يتجاوز قدرتها الحقيقية. كما أن العودة إلى مستويات ما قبل 2015 أو ما قبل 2017 ليست مجرد عملية فنية، لأن الاقتصاد اليمني نفسه تغير بشكل عميق خلال سنوات الحرب، سواء من حيث البنية الإنتاجية، أو حجم العرض النقدي، أو مستوى الثقة، أو طبيعة السوق. صحيح أن إعادة القانون المالي الموحد يمثل خطوة مهمة وضرورية، لكن يبقى السؤال: من هي الجهة القادرة فعلياً على فرض هذا القانون على كافة مراكز النفوذ والإيرادات في ظل الانقسام القائم؟ وذلك لأن المشكلة اليمنية لم تعد مشكلة قانونية فحسب، بل أصبحت أيضاً مشكلة سيادة وسلطة وقدرة تنفيذية. الودائع الخارجية: فرصة للإصلاح أم تأجيل للأزمة؟ وقد يرى البعض أن وديعة جديدة أو حزمة دعم مالي خارجي كبيرة يمكن أن تعيد الاستقرار إلى سعر الصرف وتخفف الضغوط الاقتصادية الحالية. وهذا صحيح جزئياً على المدى القصير، إذ يمكن للودائع الخارجية أن تعزز احتياطيات البنك المركزي، وتزيد قدرته على التدخل في سوق الصرف، وتهدئة المضاربات، وتحسين مستوى الثقة مؤقتاً. لكن التجارب الاقتصادية، سواء في اليمن أو في دول أخرى، تشير إلى أن الودائع لا تمثل حلا دائما بقدر ما تمثل “نافذة زمنية” للإصلاح. فهو يمنح الاقتصاد فرصة للتنفس، ولكنه في حد ذاته لا يعالج الأسباب الكامنة وراء اختلال التوازن. وإذا تم استخدام الوديعة لتمويل الاستهلاك الحالي فقط، أو لتأجيل الإصلاحات البنيوية، أو للدفاع عن سعر صرف لا تدعمه مكونات اقتصادية حقيقية، فإن تأثيرها غالبا ما يكون مؤقتا، وتعود الضغوط النقدية والمالية إلى الظهور بمجرد انخفاض التدفقات الخارجية أو استنفاد جزء كبير من الاحتياطيات. ومع ذلك، إذا تم استخدامه كأداة انتقالية لإعادة بناء الثقة في المؤسسات، وتوحيد السياسة النقدية، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز القطاعات الإنتاجية والصادرات، فقد يصبح نقطة انطلاق نحو استقرار أكثر استدامة. لذلك، السؤال الأهم ليس هل هناك وديعة جديدة أم لا، بل كيف نوظفها، وهل تتحول إلى فرصة لبناء اقتصاد أكثر قدرة على الاعتماد على الذات، أم مجرد وسيلة جديدة لإدارة الأزمة وتأجيل مستحقات الإصلاح؟ الودائع قد تشتري الوقت، لكنها لا تشتري التنمية، ولا تبني المؤسسات، ولا تخلق اقتصادا منتجا. كما أن الودائع قد تؤجل أزمة سعر الصرف، لكنها لا تنهيها. لأن العملات لا تستمد قوتها من الأموال الممنوحة للاقتصاد، بل من قدرة الاقتصاد على إنتاج تلك الأموال بنفسه. وتبقى هذه المهام مسؤولية السياسات والإصلاحات الوطنية قبل أي شيء آخر. ومن هنا فإن أي حديث جدي عن التعافي الاقتصادي يجب أن ينطلق من الاعتراف بأن استقرار العملة هو «نتيجة» إعادة بناء الدولة والمؤسسات، وليس مجرد «قرار» يمكن اتخاذه بمعزل عن بقية الاختلالات الهيكلية. ولذلك، فإن الأولوية ليست الإعلان عن رقم مستهدف لسعر الصرف، بل بناء الظروف الاقتصادية والمؤسسية والسياسية التي تجعل استقرار العملة ممكنا ومستداما. وهذا يعيدنا إلى جوهر الموضوع: المشكلة لا تتعلق بسعر الصرف نفسه، بقدر ما تتعلق بالبيئة الاقتصادية والمؤسساتية والسيادية التي تحدد قيمة العملة واستدامة استقرارها. إن الدول لا تستعيد قوة عملاتها من خلال التمني، بل من خلال استعادة الثقة والإنتاج والسيادة والمؤسسات. وعندما تتحقق هذه الشروط يصبح استقرار العملة نتيجة طبيعية، ولكن قبل ذلك فإن أي سعر صرف مستهدف قد يظل مجرد رغبة اقتصادية وليس حقيقة قابلة للتحقيق.

اليمن الان

التحليل الاقتصادي: عندما يتحول «سعر الصرف المستهدف» إلى أمنية اقتصادية

اليمن الان اخبار

اخر اخبار اليمن

عاجل اخبار اليمن

#التحليل #الاقتصادي #عندما #يتحول #سعر #الصرف #المستهدف #إلى #أمنية #اقتصادية

المصدر – اخبار اليمن Archives – وطن نيوز