اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-29 23:37:00
وجدي الأهدل* مرتضى الزبيدي الذي عاش في القرن الثامن عشر الميلادي (1732-1791م) يعد أعجوبة عصره. وقد استطاع هذا الرجل بجهده الفردي أن يهدم عدة مسلمات كانت سائدة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت من طرف إلى آخر، أولها المسلمة التي تقول إن العصر هو عصر انحطاط الحضارة العربية الإسلامية، والمسلمة الثانية هي زعمهم أن القدماء هم من أتقنوا وحققوا هدفها في المعرفة، فلا يتصور أن يتفوق عليهم شخص لاحق. ثمرات عقولهم، وأن المتأخرين هم مقلدون ضعفاء لا ينتظر منهم التفوق والإبداع وتقديم إضافات علمية جديدة. وانتصر مرتضى الزبيدي على كل الأهواء السلبية التي انتشرت بين المثقفين العرب والمسلمين حول تراجع الحضارة الإسلامية، واستطاع أن يكتب 107 كتب حسب الإحصائيات التي نشرتها موسوعة ويكيبيديا، أو 225 كتابا، وهو الإحصاء الأدق الذي قام به الباحث الألماني المتخصص الدكتور ستيفان رايخموت. وبعض هذه الكتب تتكون من أجزاء، مثل كتاب “تاج العروس في شرح جواهر القدموس” الذي يعتبر أكبر قاموس في اللغة العربية، وأصدره المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت في 40 مجلدا، وبعضها كتيبات صغيرة الحجم مثل كتابه “تحفة إخوان الزمان في حكم القهوة في اليمن”، وهو كتاب يتحدث من وجهة نظر دينية عن مشروعية شرب القهوة وشربها. جوازه، لظهور فتاوى متطرفة في عصره بتحريم شربه. مرتضى الزبيدي يجيد ما بين 4 إلى 6 لغات من بينها اللغة العربية! ولم تكن اللغة العربية هي لغته الأم، لكنه اكتسبها في صغره من خلال حضور الدروس الدينية في مساجد بلغرام في الهند، مسقط رأسه. وهو من أصل هندي ومولد ونشأة. ثم خرج إلى زبيد وهو ابن سبع عشرة سنة. ونشير إلى إتقانه الكامل للغة الفارسية من خلال تأليفه كتاباً بعنوان “التحفة المقدسة في ضوابط النحو الفارسي”، كما قام بكتابة المراسلة باللغات التي يتقنها ومنها اللغة التركية. اسمه محمد عبد الرزاق، وعندما انتقل إلى زبيد كان يُلقب بالمرتضى ويلقب بالزبيدي. ونستنتج أن مدينة زبيد هي التي منحته كل شيء: العلم والأدب والدرجة العلمية والهوية العربية التي ساعدته فيما بعد على نشر شهرته في بلدان عربية وإسلامية أخرى، كعالم مسلم ينتمي إلى اليمن. وعندما انتقل مرتضى الزبيدي إلى القاهرة انتشرت شهرته وعمت المناطق شرقا وغربا، وأصبح أشهر شخصية علمية في العالم الإسلامي كله. وكان الملوك والسلاطين يسعون إلى كسب محبته، وعلى رأسهم السلطان العثماني “عبد الحميد الأول” سلطان الدنيا، وكذلك باشا مصر “محمد باشا عزت الكبير”. سيرة مرتضى الزبيدي تستحق التوقف والتأمل. أول ملاحظة شخصية لي عنه هو أنه حصل على تدريبه الأكاديمي من اليمن، ومن زبيد خاصة، لأنه عندما غادر اليمن إلى مصر، وسمع العلماء بقدومه، ذهب شيوخ الأزهر لحضور دروسه وأخذ الإجازات العلمية منه، وتوافد إليه طلاب العلم من جميع أنحاء العالم. وهذا دليل على السمعة الطيبة لمدينة زبيد وعلمائها، وعلى جودة التعليم في مدينتنا التي كانت جامعة موثوقة ذات مستوى تعليمي متقدم. مرتضى الزبيدي جاء من الهند فتىً صغيراً فقيراً، لا يملك في الدنيا إلا شغفه بطلب العلم. وجد في مدينة زبيد الحاضنة العلمية التي وفرت له السكن في المجتمع الطلابي، ونفقات المعيشة من ريع الأوقاف. وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر، كانت زبيد مدينة أكاديمية تستقطب الطلاب اليمنيين والأجانب، وتقدم لهم ما نسميه بلغة عصرنا بالمنح التعليمية التي شملت السكن والمعيشة، قبل ظهور نظام المنح الجامعية في الغرب. وتحققت نهضة علمية وأدبية وثقافية في البلاد اليمنية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وكانت نهضة استثنائية، على عكس الاتجاه السائد في الدول العربية الأخرى. وفي هذين القرنين ظهرت مؤلفات كثيرة في الشعر والأدب والعلوم الدينية واللسانيات. ثم انطفأت هذه الشعلة في القرن التاسع عشر مع دخول الاستعمار إلى المنطقة العربية، وسقوط معظم المدن العربية الكبرى تحت الاحتلال. والدليل هنا أن اليمنيين لا يبدو أنهم يعيرون اهتماما للازدهار الثقافي الذي حدث. ولم يدرسوا في بلادهم خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر هذه الحقبة التاريخية جيدا، وإلا لاكتشفوا أنها من أخصب العصور الثقافية مقارنة بالقرون التي سبقتها. ومرتضى الزبيدي الذي يعتبر أعظم مفكر وعالم مسلم في القرن الثامن عشر، ليس إلا نتاجا للبيئة العلمية والثقافية المزدهرة في اليمن في ذلك الوقت. ملاحظتي الثانية تتعلق بالاقتصاد: في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كانت اليمن تعيش عصر الرخاء الاقتصادي… وكان ذلك بسبب زراعة البن وتصديره. وساهمت هذه الوفرة الاقتصادية في تخصيص جزء من الموارد للإنفاق على الأساتذة والطلبة الراغبين في التفرغ للتعليم. وكانت مدينة زبيد في مقدمة المدن اليمنية التي استفادت من هذه الوفرة، من خلال الإيرادات القادمة من الأوقاف. لكن عندما نجح الهولنديون في تهريب شتلات البن من المخا وزراعتها في جاوة ومناطق أخرى من العالم، خسر اليمن مكاسبه الاقتصادية وتراجع إلى ذيل قائمة مصدري البن. والدرس المستفاد هو أن الدولة التي تريد التقدم ثقافيا وعلميا يجب أن تخصص جزءا من مواردها للإنفاق على العاملين في هذه المجالات. توفي مرتضى الزبيدي بالطاعون الذي اجتاح القاهرة عام 1791. وقد حقق كل الآمال التي كان يحلم بها، وربما أكثر بكثير مما كان يحلم به، لكنه لم ينعم بأي نسل يرث الثروة الطائلة التي اكتسبها، ولم يكن هناك أقارب حوله يواسيونه في لحظاته الأخيرة. وقد ذكر المؤرخ المصري الشهير عبد الرحمن الجبرتي، أحد تلاميذه، مشهد نهايته الحزينة وهو ينظر ولسانه معقود إلى زوجته وأصهاره وهم يفتحون الصناديق، ويحملون ما فيها، ويتقاسمونها. وقبل وفاته… ذكر الجبرتي وصفه كالتالي: “”كان خلقه نحيل الجسم، ذهبي اللون، متناسب الأطراف، متوسط اللحية، في معظمها خطوط رمادية، كان فخما في لباسه، أسمر كأهل مكة، له عمامة ملتوية ذات شاش أبيض، وفي رقبته حلة فضفاضة، وله حرير متماسك في طوله نحو شبر، طرفه الآخر داخل ثنية العباءة” وكان ظاهرا، طيبا، حسن الخلق، مرحا، مبتسما، متواضعا، ذكيا، ذكيا، بارعا، ذا حفظ منقطع النظير، أما زبيد في الوقت الحاضر فهي مدينة متواضعة، يبلغ عدد سكانها نحو 30 ألف نسمة، وقد أهملت في العهد الإمامي ثم في العهد الجمهوري، ولا ندري هل ستستعيد هذه المدينة مجدها العلمي في الأيام القادمة أم أنها ستبقى. كما هو منسي ومهمل وغير فاعل. * روائي وكاتب يمني.

