اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-27 20:05:00
وطن نيوز – إعداد – أ. منى هيثم . ويشهد المشهد الجنوبي مرحلة مفصلية تتقاطع فيها التحولات العسكرية مع الاستحقاقات السياسية، في ظل تصاعد الخلافات بين الأطراف المحلية والإقليمية بشأن مسارات الحل الممكنة للقضية الجنوبية. كشفت التطورات الأخيرة، وأبرزها انتشار قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي المهرة وحضرموت، وما أعقبه من ردود عسكرية عنيفة، عن عمق الأزمة وتعقيداتها، وأظهرت محدودية الأطر السياسية القائمة في استيعاب التحولات الجارية على الأرض. وفي هذا السياق، برزت الدعوة للحوار جنوبي جنوبي في الرياض كمحاولة لاستعادة السيطرة على المشهد السياسي، إلا أن تزامنها مع خطاب إقصائي وإجراءات سياسية تستهدف قيادات جنوبية فاعلة ألقى بظلال من الشك على جدوى ومصداقية هذا الحوار. من ناحية أخرى، جاء إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي عن المرحلة الانتقالية وإصدار الإعلان الدستوري، بمثابة استجابة مباشرة للمطالب الشعبية المتصاعدة، التي فتحت باباً جديداً للتوتر بين مشروع جنوبي يسعى إلى إنشاء مسار سياسي مستقل، ورؤية إقليمية ودولية تتمسك بسقف المرجعيات المعترف بها للعملية السياسية الشاملة في اليمن. ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة سياسية متأنية لطبيعة هذا الصراع وحدوده وإمكانيات تحويله من حالة الصراع المفتوح إلى مسار تفاوضي يعيد تعريف القضية الجنوبية كقضية سياسية قائمة. وهو في حد ذاته ليس ملفاً فرعياً ضمن التسويات التي لم تعد تعكس الواقع الجديد في جنوب اليمن. وانقسمت القراءة التحليلية إلى ثلاثة محاور مترابطة، وهي خلاصة حكم سياسي وتوصية نهائية. أولاً: هل هناك تعارض بين ما تطلبه السعودية (رؤية الحل) وبين الإعلان الدستوري والمرحلة الانتقالية التي أعلنها المجلس الانتقالي؟ الجواب المختصر: نعم، هناك صراع سياسي وقانوني جزئي، لكنه ليس صراعاً مطلقاً أو لا يمكن احتواؤه. ويعود تفسير هذا الصراع إلى: 1- سقف السعودية: “المرجعيات”. عندما تقول السعودية إن أي رؤية يجب أن تكون تحت سقف مرجعيات العملية السياسية الشاملة في اليمن، فهي تعني عمليا: – قرارات مجلس الأمن (خاصة تلك التي تتعامل مع اليمن كوحدة قانونية). – الإطار الدولي للحل الشامل. – عدم الاعتراف بأي خطوات أحادية تغير الوضع القانوني. أي أن السعودية تريد رؤية سياسية تفاوضية. لا توجد تدابير سيادية كاملة. 2- الإعلان الدستوري: خطوة سيادية أحادية. وجاء إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي عن المرحلة الانتقالية وإصدار الإعلان الدستوري استجابة للمطالب الشعبية الجنوبية باستعادة الدولة، وتعزيز التلاحم الشعبي والشرعية في الداخل. خارجياً، خلق صراعاً مع الإطار القانوني الدولي، ورفع مستوى التوتر مع المنطقة، معتبراً أن الإعلان الدستوري والمرحلة الانتقالية التي أعلنها المجلس الانتقالي يمثلان قفزة من منطق «القضية» إلى منطق «السلطة»، المقروء دولياً على أنه محاولة لفرض أمر واقع سياسي ودستوري قبل التوافق. وحتى لو كان استجابة لضغوط شعبية، أو نتيجة فراغ سياسي، من الناحية الدولية، فهو يعني تجاوز مسار التوافق وليس امتداداً له. 3- النقطة الحقيقية للصراع: لا بد من الإشارة إلى أن الصراع ليس في الهدف (حل القضية الجنوبية)، بل في الوسيلة والتوقيت. وتتمحور نقاط الاختلاف الأساسية بين الموقف السعودي وموقف المجلس الانتقالي الجنوبي حول طبيعة النهج السياسي وتوقيت القرار. وتتبنى السعودية رؤية تفاوضية مبنية على مسار جماعي، تهدف إلى إدارة القضية الجنوبية ضمن إطار سياسي أوسع، مع تأجيل القضايا المصيرية إلى مراحل لاحقة تضمن التوافق الإقليمي والدولي. من ناحية أخرى، يتجه المجلس الانتقالي الجنوبي نحو تكريس مسار مستقل، يرتكز على إعلان دستوري وقرارات أحادية، تعكس الرغبة في تسريع القرار استجابة للمطالب الشعبية المتراكمة، وملء الفراغ السياسي والدستوري القائم. وهذا التباين لا يعكس اختلافاً في الأدوات فحسب، بل يعبر عن فجوة في تصور كل طرف لطبيعة المرحلة، وحدود ما هو ممكن سياسياً، وآليات إدارة الصراع في الجنوب، وهنا جوهر المشكلة. ثانياً: كيف يُقرأ حوار جنوب جنوب الرياض في هذا السياق؟ 1- الحوار لم يعد “حواراً” بحتاً: – غياب الرئيس عيد روس الزبيدي. – حل المجلس أثناء حضور الوفد. – الإعفاءات من المجلس القيادي الرئاسي. وهكذا تحول الحوار من مساحة توافق إلى أداة لإعادة ضبط المشهد الجنوبي، مما يضعف مصداقيته وقدرته على إنتاج توافق جنوبي حقيقي. 2- الخطاب العدائي وأثره. إن الخطاب الذي يتعامل مع المجلس الانتقالي كمشكلة يجب احتواؤها وليس كشريك يجب التفاهم معه يؤدي إلى تطرف المجلس الانتقالي، وتطرف الشارع الجنوبي، وإفراغ الحوار من مضمونه لأنه لا يمكن بناء التوافق بينما تضعف الطرف الأكثر حضورا على الأرض. 3- الإعفاءات: رسالة سياسية واضحة. إعفاء الزبيدي والبحسني من المجلس القيادي الرئاسي ليس إجراءً إدارياً فحسب، بل رسالة سياسية مزدوجة للمجلس الانتقالي: السقف لا يزال محدداً – بالنسبة لبقية الجنوبيين: هناك بدائل، لكن المشكلة أن البدائل لا تتمتع بوزن شعبي مماثل، مما يخلق فجوة تمثيلية خطيرة. ثالثا: هل يمكن التوفيق بين المسارين أم أننا أمام صدام سياسي؟ هناك ثلاثة احتمالات واقعية: السيناريو الأول: الاحتواء (الأفضل). ويعاد تفسير الإعلان الدستوري على أنه: “إطار تنظيمي داخلي مؤقت”، ويتم طرح الرؤية المنشودة للسعودية، بلغة دولية، دون المساس بجوهر حق تقرير المصير مع تجميد الإجراءات التصعيدية. وهذا يتطلب مرونة من الحكومة الانتقالية وضمانات من المملكة العربية السعودية. السيناريو الثاني: الاصطدام البارد. – استمرار الحوار بشكل رسمي. – استمرار الحزب الانتقالي في خطاباته وخطواته. – ضغوط سياسية وإقليمية تدريجية. وهذا أخطر لأنه يرهق الجنوب ويفتح الباب للصراعات الداخلية. السيناريو الثالث: الانفجار. – فشل الحوار. – فرض الترتيبات القسرية. – توسع المواجهات (كما حدث مع التفجير). وهذا هو السيناريو الأسوأ، وسيتم استخدامه دولياً ضد القضية الجنوبية نفسها. خلاصة الحكم السياسي: يمكن أن نخلص الحكم السياسي للمشهد الحالي إلى أن الموقف السعودي لا ينبع من رفض مبدئي لحل القضية الجنوبية، بقدر ما يعكس تحفظا واضحا على فرض هذا الحل بالقوة أو من خلال إجراءات أحادية قد تربك المسار السياسي المعترف به دوليا. وفي هذا السياق، يُفهم الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي على أنه استجابة مباشرة لزخم شعبي متنامي، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف إقليمية ودولية تتعلق بشرعية الخطوات الأحادية وتداعياتها على العملية السياسية الشاملة. أما الحوار جنوب جنوب الذي انعقد في الرياض، ورغم أنه فقد جزءاً كبيراً من حياده نتيجة السياق السياسي والإجراءات المصاحبة له، فإنه لم يفقد تماماً أهميته كإطار محتمل لإعادة ترتيب البيت الجنوبي، إذا أعيدت صياغته على أسس أكثر توازناً. وبشكل شامل. ولذلك يمكن القول إن القضية الجنوبية اليوم تقف في موقع قوة من حيث الحضور والدعم الشعبي، لكنها في المقابل تعاني من هشاشة نسبية على طاولة المفاوضات الدولية، إذ لا تزال بحاجة إلى أدوات سياسية ودبلوماسية أكثر فعالية لتحويل هذا الزخم الشعبي إلى مكاسب سياسية معترف بها. توصية نهائية (وليست نصيحة سياسية). وإذا أراد الجنوب حماية مكتسباته وعدم تحويلها إلى عبئ دولي، عليه أن يفصل بين «إدارة الواقع» و«تسوية الوضع القانوني»، وتحويل الإعلان الدستوري من أداة تصعيد إلى ورقة تفاوض.




