اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-27 20:51:00
27 أبريل 2026 زيارات: 1 نجاح محمد علي.. في لحظات التحول الكبرى التي تشهدها المنطقة والعالم بعد العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، تتقاطع النيران العسكرية مع الحروب النفسية والإعلامية، وتصبح إدارة المعلومات في حد ذاتها سلاحا لا يقل أهمية عن أي نظام صاروخي. وما يحدث اليوم على الساحة الإيرانية هو مثال واضح على هذه الحرب المعقدة، حيث تتسابق وسائل الإعلام الغربية، مدعمة بأجهزة استخباراتية، لإنتاج روايات مربكة تستهدف بنية صنع القرار والرمزية القيادية في البلاد. ومن أبرز هذه الروايات ما يتم تداوله عن مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله السيد مجتبى خامنئي، في محاولة متواصلة لخلق حالة من القلق والتساؤل لدى الرأي العام، ودفع الأمور نحو لحظة “البرهان” الإعلامي من خلال ظهوره العلني. لكن هذه المحاولة في حد ذاتها تكشف أكثر مما تخفي، وتكشف طبيعة الأدوات التي يعتمدها الخصم في هذه المرحلة. وتؤكد البيانات الموثوقة من داخل الدوائر المقربة من القيادة الإيرانية أن السيد مجتبى بخير، وقد تعافى تماماً بعد إصابته خلال العدوان الأخير. لكن التركيز الغربي لا ينصب على حقيقة وضعه بقدر ما يهدف إلى إغرائه بالظهور. وهنا يكمن التعقيد الأساسي: فالمطلوب ليس طمأنة الجمهور، بل الكشف عما لا ينبغي الكشف عنه. وفي الحرب الحالية، حيث يقوم الأميركيون بدائرة عدوانية متواصلة تتمثل في الضغط والتهديد، ثم الاغتيال والحرب، ثم المفاوضات والضغط والتهديد بالاغتيال والحرب و..، لم تعد المظاهر الإعلامية حدثاً بسيطاً. يتم تحويل كل صورة يتم التقاطها، وكل مقطع فيديو يتم بثه، على الفور إلى مواد تحليلية متقدمة. تستخدم المراكز المتخصصة تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الظلال وأنماط الإضاءة وانعكاسات الصوت وحتى التفاصيل الدقيقة في الخلفية. ومن خلال هذه الأدوات يمكن تحديد الموقع الجغرافي بدقة عالية، أو استنتاج توقيت التسجيل، أو حتى معرفة الظروف الأمنية المحيطة بالمكان. بمعنى آخر، فإن أي ظهور غير متوقع قد يزود العدو ببنك معلومات كامل، دون الحاجة إلى اختراق أو تجسس مباشر. وهنا تتحول “الشفافية الإعلامية” إلى ثغرة أمنية خطيرة. ومن هذا المنطلق فإن غياب السيد مجتبى عن الإعلام ليس علامة غموض أو ضعف، بل هو جزء من الحزب وتجسيد لما يمكن تسميته بـ”الغموض الاستراتيجي”. ويقوم هذا المفهوم المعروف في الأدبيات العسكرية والسياسية على الامتناع المتعمد عن تقديم معلومات حساسة، وترك مساحة من عدم اليقين للخصم. وهذا الفضاء في حد ذاته يخلق بلبلة، ويمنع الطرف الآخر من بناء تقديرات دقيقة. في المقابل، تحاول وسائل الإعلام الغربية، وتحديداً وسائل الإعلام الأمريكية، كسر هذا الغموض من خلال الضغط المستمر، باستخدام ما يبدو أنها “مصادر داخلية”، وهم في الغالب صحفيون أو محللون من أصل إيراني يحملون جنسيات غربية (أمريكية خاصة). يتم تقديمهم كشهود موثوقين، في حين أنهم في الواقع جزء من منظومة إنتاج الرواية، وليس نقل الحقيقة. الهدف واضح: خلق سرد مقنع يدفع القيادة إلى الاستجابة. لكن الرد في هذه الحالة هو بالضبط ما يريده الخصم. والأمر الأكثر ذكاءً هو إدارة الصمت. وهو ليس صمتاً سلبياً، بل صمتاً مدروساً يوازن بين اطمئنان الداخل وعدم تقديم المعلومات إلى الخارج. ويمكن القول إن المعادلة الدقيقة هنا هي: «قل ما يكفي لطمأنة الجمهور، ولا تقول ما يكفي لنفع العدو». ولا يمكن فصل هذه الاستراتيجية عن السياق الأوسع، حيث تتحول الضغوط أيضًا إلى ساحة التفاوض. وكما يسعى الخصم إلى جذب الظهور الإعلامي، فإنه يحاول أيضاً استدراج القرار السياسي إلى أجواء غير آمنة، خارج الحدود، حيث يمكن فرض ضغوط متعددة الأبعاد. لكن التجربة أثبتت أن من يملك المبادرة لا يتحرك وفق إيقاع الآخرين. والإصرار على إجراء التفاوض بشروط وطنية، وفي بيئة آمنة، هو امتداد لنفس الفلسفة: حماية القرار من الاختراق، وحماية المعلومات من التسرب. وما يميز هذه المرحلة هو تقاطع الجبهات: الإعلام، والاستخبارات، والسياسة، والتكنولوجيا. وكل جبهة قادرة على التأثير على الأخرى. ولذلك فإن أي قرار -حتى لو بدا بسيطا مثل الظهور الإعلامي- لا بد أن يكون محسوبا ضمن هذا النظام المعقد. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم غياب السيد مجتبى خامنئي على أنه حالة استثنائية، لأنه جزء من الإدارة الواعية لمعركة متعددة الأبعاد. وهي رسالة ضمنية تقول: «لن نتصرف وفق شروطكم، ولن نعطيكم ما تبحثون عنه». في النهاية، ما يبقى ثابتا هو أن القوة لا تقاس فقط بما يظهر على الشاشات، هذا هو الجزء المرئي من جبل الجليد، ولكن بما يدار خلف الكواليس. والغموض عندما يدرس يتحول من نقطة ضعف إلى أداة ردع. نحن في زمن يتم فيه استهداف الصورة قبل الحقيقة، وبالتالي يصبح التحكم في الصورة… شكلاً من أشكال السيادة. *صحفي استقصائي متخصص في الشؤون الإيرانية والإقليمية



