اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-15 12:27:00
لم يعد وصف المشهد السمعي البصري في تونس يقتصر على النقد المهني الرصين. بل أصبح مشحوناً بتلقي شريحة واسعة من الجمهور نعوتاً قاسية مثل «إعلام العار» و«إعلام التفاهة» وغيرها من التعميمات التي تختزل واقعاً معقداً في صورة واحدة قاتمة. لكن هذا التوصيف، رغم صحته في بعض الأحيان، يظل مجحفا في حق التجارب الإعلامية الجادة التي تسعى، في الظروف الصعبة، إلى تقديم محتوى محترم ومهني. (الصورة: صحفيون يتظاهرون أمام مقر الحكومة في القصبة.) محمد وليد الجموسي * ساهمت التحولات السياسية والاقتصادية، إلى جانب الضغوط التجارية وتغير سلوك الجمهور، في إعادة تشكيل أولويات المؤسسات الإعلامية، مما جعل التوازن بين الجودة ومتطلبات السوق أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فهل نحن فعلا أمام انهيار شامل أم أن الإعلام التونسي يعيش صراعا مريرا بين الجودة والتفاهة بحثا عن الاستمرارية؟ هيمنة معدلات المشاهدة والاستماع: منطق السوق يأتي في مقدمة العوامل المؤثرة في تراجع جودة بعض المحتويات الإعلامية. تبرز هيمنة معدلات المشاهدة والاستماع باعتبارها المعيار الوحيد للنجاح تقريبًا. وفي ظل منافسة شرسة وسوق إعلانية محدودة، أصبحت القنوات والمحطات الإذاعية رهينة ما يجذب الجمهور بسرعة، حتى لو كان ذلك على حساب القيمة المعرفية أو الرسالة الإعلامية. يدفع هذا المنطق التجاري نحو إنتاج محتوى سهل الاستهلاك، قائم على الإثارة والسطحية، ويغذي ما يعرف بثقافة “الاتجاه”، حيث تتحول القضايا الهامشية إلى مادة إعلامية يومية، في حين يتم تهميش المواضيع الجادة التي تتطلب بحثا وتحليلا معمقا. وبالتالي لا يصبح السؤال: «ماذا يجب أن يقال؟»، بل «ما الذي سيجذب أكبر عدد من المشاهدين؟» التفاهة ظاهرة عالمية، لا استثناء لها في تونس. ورغم خصوصية السياق التونسي، فإن انتشار التفاهة في الإعلام ليس ظاهرة محلية بحتة، بل هو امتداد لتحول عالمي في صناعة الإعلام. لقد أدى التحول الرقمي ونمو وسائل التواصل الاجتماعي إلى إعادة تشكيل علاقة الجمهور بالمحتوى، حيث أصبحت السرعة والإيجاز والإثارة عناصر أساسية في جذب الانتباه. وفي هذا السياق، لم تعد المؤسسات الإعلامية التقليدية قادرة على تجاهل هذه التحولات، بل تجد نفسها مضطرة إلى مواكبة الذوق العام الجديد، حتى لو كان ذلك على حساب الجودة. ولذلك فإن ما يوصف بـ”العبث” في الإعلام التونسي هو، في جزء منه، انعكاس لموجة عالمية أوسع، تفرض تحديات حقيقية على كل من يسعى إلى الحفاظ على إعلام جاد ومسؤول. غياب أو غياب الهيئة التنظيمية: فراغ رقابي مقلق. ومن أبرز المشاكل التي تعمق الأزمة الإعلامية في تونس، ضعف أو غياب الدور الفعال للهياكل التنظيمية، وأبرزها “الهايكا” التي من المفترض أن تسيطر على المشهد وتضمن احترام المعايير المهنية، يسلط الضوء على ضعف أو غياب الدور الفعال للهياكل التنظيمية. والحق أن هذه الهيئة، حتى عندما كانت في ذروة نشاطها، لم تكن حاجزاً منيعاً أمام الرداءة. بل كان دورها محدوداً جداً، إذ تراوح بين لفت الانتباه إلى الخطايا، دون أن تنجح في إحداث تغيير جوهري في طبيعة المضامين أو فرض التزام فعلي بأخلاقيات المهنة. وظل تأثيرها، في أحسن الأحوال، ظرفياً ومحدود التأثير، وسرعان ما يتلاشى أمام منطق السوق وضغط نسب المشاهدة، وهو ما جعل العديد من المؤسسات الإعلامية تتعامل مع قراراتها على أنها إجراءات رسمية وليست قرارات ملزمة. ومع تراجع حضورها اليوم بشكل شبه كامل، تفاقمت حالة الفوضى داخل المشهد السمعي البصري، حيث أصبحت بعض المنصات تعمل دون سقف ضوابط واضح، مستفيدة من غياب الرقابة الفعالة التي تضمن الحد الأدنى من الجودة والمهنية. وفتح هذا الفراغ المجال أمام انتشار خطابات التحريض والتشويه، وسهولة الاعتماد على وجوه تفتقد الكفاءة والمصداقية، ما ساهم في مزيد من تدهور صورة الإعلام لدى الرأي العام. ضعف الإنتاج: أزمة موارد وإبداع. لا يمكن الحديث عن جودة المحتوى الإعلامي دون التطرق إلى مسألة الإنتاج التي تعاني من مشاكل بنيوية عميقة. يعاني الإنتاج التلفزيوني والإذاعي في تونس من محدودية الموارد المالية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مستوى البرامج، سواء على مستوى الإعداد أو التنفيذ. يؤدي قلة الاستثمار في الإنتاج الجاد، خاصة في مجالات التحقيقات والبرامج الثقافية، إلى سيطرة البرامج الحوارية الترفيهية السطحية أو السريعة. وفي ظل غياب رؤية استراتيجية لتطوير المحتوى، يظل الإعلام أسيرا للحلول السهلة التي تضمن الحد الأدنى من البقاء دون تحقيق التميز. ولا تتوقف هذه المشاكل عند حدود التمويل فحسب، بل تمتد إلى غياب بنية إنتاجية متكاملة قادرة على خلق محتوى متجدد ومتنوع. تعمل العديد من المؤسسات الإعلامية بقدرات فنية محدودة وفرق عمل صغيرة، مما يفرض وتيرة سريعة للإنتاج على حساب الجودة والابتكار. كما يساهم غياب الشراكات الإنتاجية سواء على المستوى الوطني أو الدولي في الحد من فرص تطوير المحتوى ورفع جودته. وفي ظل العزلة النسبية عن التجارب الخارجية، تظل العديد من المؤسسات الإعلامية بعيدة كل البعد عن مواكبة التطورات في صناعة الإعلام، سواء على مستوى التقنيات أو الأساليب السردية. وتضاف إلى ذلك مشكلة توجيه الموارد القليلة المتاحة، إذ غالبا ما يفضل الإنفاق على البرامج السريعة الإنتاج، والمنخفضة التكلفة ولكن ذات العائد العام الفوري، بدلا من الاستثمار في مشاريع طويلة الأجل قادرة على تحقيق قيمة مضافة حقيقية. وهكذا يدخل الإعلام في حلقة مفرغة: ضعف التمويل يؤدي إلى ضعف الإنتاج، وضعف الإنتاج يحد من جاذبية الجمهور والمعلنين، مما يعمق الأزمة أكثر. وفي ظل هذا الواقع، يصبح تطور الإنتاج الإعلامي في تونس مرهونا بإرادة إصلاحية شاملة، تقوم على إعادة توزيع الموارد، وتشجيع الإبداع، والانفتاح على شراكات جديدة، بما يسمح بالانتقال من منطق “البقاء” إلى منطق “التميز”. قلة التدريب وكثرة المتسللين: مهنة بلا حواجز. من أبرز التحديات التي تواجه الإعلام التونسي مسألة التكوين. وفي حين من المفترض أن يكون الصحفي نتاج تدريب أكاديمي وميداني صارم، إلا أن القطاع يشهد دخول عدد كبير من الأشخاص الذين لا يملكون الخلفية اللازمة لممارسة المهنة. ولا نتحدث هنا عن الخبراء وأصحاب العلم والمعرفة، ولا نتحدث عن أصحاب المواهب، بل عن مؤثرين، ذكورا وإناثا، ليس لديهم ما يكسبونه سوى تواجدهم على منصات التواصل الاجتماعي، وقدرتهم على جذب الانتباه عبر الإثارة أو الجدل أو حتى السطحية، دون امتلاك أدوات العمل الصحفي الأساسية من التحقق والتدقيق والمعالجة المهنية للمعلومات. وهي لا تقوم على تدريب أكاديمي أو خبرة ميدانية، بل على منطق «الانتشار»، الذي لا يعترف بالمعايير بقدر ما يكافئ الجاذبية والسرعة. وهذا الواقع يضعف المستوى العام للمحتوى ويساهم في انتشار الأخطاء المهنية سواء في التحقق من المعلومات أو في طريقة تقديمها. كما يؤدي إلى تفاقم حالة الفوضى داخل المؤسسات الإعلامية، حيث تختلط المعايير، ويغيب التمييز بين المهني والدخيل. خريجو معهد الصحافة بين التهميش والبطالة في مفارقة لافتة، يعاني خريجو معهد الصحافة، وهم الأكثر تأهيلا نظريا ومهنيا، من صعوبات كبيرة في الاندماج في سوق العمل. وبدلا من أن تكون العمود الفقري للمؤسسات الإعلامية، يجد الكثير منها نفسها خارجها، حيث تفضل بعض المؤسسات الوجوه الإعلامية الجاهزة أو الأقل تكلفة. وهذا الوضع لا يهدر طاقات بشرية مهمة فحسب، بل يديم أيضا حلقة مفرغة من الانحدار، حيث يتم تهميش التدريب الجيد لصالح الاعتبارات التجارية أو العلاقات الشخصية. وهذا يستدعي مراجعة جذرية لآليات التوظيف والتشغيل في القطاع. بين النقد والتعميم: ضرورة التمييز رغم صحة الانتقادات الموجهة إلى الإعلام التونسي، إلا أن التعميم يبقى خطرا حقيقيا، لأنه يخفي تجارب إيجابية تستحق الدعم والتشجيع. هناك برامج ومحطات إذاعية وقنوات تسعى وبقدرات محدودة إلى تقديم محتوى محترم يراعي أخلاقيات المهنة ويخدم المصلحة العامة. إن إنقاذ الإعلام لا يمر بجلد الذات أو الأحكام المطلقة، بل عبر التشخيص الدقيق للمشكلات، وإرادة الإصلاح الحقيقية التي تشمل كافة الأطراف: الدولة والمؤسسات والصحفيين والجمهور. الخلاصة: صراع الإعلام من أجل البقاء في النهاية، لا يمكن القول إن الإعلام التونسي قد سقط تماما في الرداءة، كما لا يمكن إنكار أن هناك جوانب مزعجة من التفاهة. والحقيقة أنه يعيش حالة صراع بين منطقين: منطق الجودة الذي يتطلب الاستثمار والجهد والوقت، ومنطق البقاء الذي يفرض السرعة والإثارة. وهذا الصراع، وإن كان مؤلما، قد يكون أيضا فرصة لإعادة التفكير في دور ووظيفة الإعلام، بشرط توافر إرادة الإصلاح، واحترام المهنية والتدريب، بعيدا عن منطق الربح السريع. وفي النهاية، الإعلام ليس مجرد صناعة، بل هو ركيزة أساسية في بناء الوعي المجتمعي. *صحفي.




