تونس – التعليق على رسالة مهاب السنوسي ورفاقه إلى وائل نوار ورفاقه

اخبار تونسمنذ 58 دقيقةآخر تحديث :
تونس – التعليق على رسالة مهاب السنوسي ورفاقه إلى وائل نوار ورفاقه

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-23 21:42:00

* بقلم فهيم بوكدوس رسالة خيالية من مهاب السنوسي ورفاقه إلى وائل نوار ورفاقه: من خلف القضبان، لا يزال البحر يتسع لفلسطين، إلى رفاق البحر والكرامة، إلى قادة أسطول الصمود الأول المعتقلين في تونس، إلى الذين حاصروا السجن بالمعنى، وباتت الأغلال على أيديهم شاهدة على خوف الطغاة من الكلمة الحرة. نكتب إليك من قلب المعتقل، من خلف أبواب السجون الصهيونية، حيث يحاول السجان أن يقيس الحرية بعدد الأغلال، ويقنع نفسه بأن الحديد أقوى من الفكرة. ولكننا كما أنتم تعلمنا من الخطوة الأولى نحو فلسطين أن الحرية ليست مكاناً نعيش فيه، بل هي مكانة نحملها مهما ضاقت جدراننا. رفاقنا عندما أبحرنا كنا نعلم أن الطريق لن يكون معبداً بالأمان، وأن البحر الذي يحمل أحلام الناس سيحمل أيضاً تهديدات المحتل وغضبه. ظنوا أن أصوات التهديد، وتهديدات إيتامار بن جفير الجديدة، ستعيدنا إلى الموانئ خائفين، لكنهم لم يفهموا أن من جعل غزة وجهته لا يخشى العواصف، وأن من تعلم منكم معنى الصمود لا يمكن أن ترهبه سفن الحرب أو تصريحات التهديد. بل أكثر من ذلك، كلما سمعنا صراخ بن غفير وتهديداته، نتذكر يوم واجهتموه دون خوف، يوم رفعتم العلم الفلسطيني في وجهه، ليس كقطعة قماش، بل كصفعة معنوية على وجه غطرسته، وإعلان مدوية أن هذا العلم الذي يحاول الاحتلال دفنه تحت الأنقاض، لا يزال قادرا على إذلال غطرسته وجر طغيانه في الوحل. تذكرناه يوم ارتبك أمام ثلة من الأحرار يحملون علم فلسطين بصدور عارية وإرادة لا تنكسر. وهناك فهمنا جميعاً أن الاحتلال، مهما كان عنيفاً، يبقى هشاً في وجه الإنسان الحر الذي يرفض الانكسار. وفهمنا أيضاً لماذا يخافون من العلم الفلسطيني أكثر من خوفهم من الجيوش، لأنه يذكرهم دائماً بأن الحق ليس معهم، وأن كل هذا القمع ليس إلا محاولة يائسة لتأجيل سقوط الرواية الكاذبة. لقد كنتم قبلنا، ووقفتم في وجه الصمت العربي والدولي، ورفعتم اسم فلسطين عاليا بينما كان الكثيرون يتنازلون عن الألم الفلسطيني أو يعتادون عليه. واليوم، ونحن نعيش نفس التجربة، نفهم أكثر لماذا أزعجتهم الحقيقة، ولماذا خافتكم السلطات، ولماذا أرادوا أن يجعلوا من محاكماتكم رسالة تخويف لكل من يفكر في سلوك طريق الحرية. لكنهم أخطأوا في حساباتهم، لأن السجون لا تطفئ القضايا العادلة، بل تمنحها صوتا أعلى، ولأن المعتقل لا يخلق الهزيمة، بل يكشف من هو الحر ومن هو السجين الحقيقي. أنتم في السجون التونسية لكنكم أحرار، ونحن في المعتقلات الصهيونية وأكثر حرية، نعم أكثر حرية، لأن الإنسان الحر هو من يختار موقفه بإرادته الحرة، وليس من يتحرك داخل مساحة الخوف المرسومة له. الإنسان الحر هو الذي يعرف سبب اعتقاله، ولماذا يدفع الثمن، ولماذا يظل متمسكا بالحلم رغم الظلام. أما سجاننا بكل أسلحته وأسلاكه وكاميراته فهو أسير خوفه من الحقيقة، وأسير إرهابه من شعب لم يهزمه حصار ولا مجازر ولا سجون. هنا، داخل الزنازين، نحاول أن نحصي المسافات بيننا وبين غزة، ونكتشف أنها أقرب إلينا من كل العواصم البعيدة عن وجعها، وعندما يظلم الليل، نتذكر صوركم وأنتم تواجهون الأغلال ذوي الجباه العالية، ونشعر أننا لسنا وحدنا، وأن هذا الخيط الممتد بين تونس وفلسطين لم يعد مجرد تضامن، بل أصبح مقياسا أخلاقيا وجسر كرامة لا تستطيع الجيوش قطعه. رفاقنا، يريدون إقناع العالم بأن السفن انتهت، وانتصر الحصار، والشعب سئم من فلسطين، لكن الحقيقة التي نراها هنا كل يوم هي عكس ذلك تماما. كل معتقل جديد يولد صوتا جديدا، وكل سفينة تسد لاحقا تولد عشرات الأفكار والمبادرات، وكل محاولة لخنق القضية تجعلها أكثر حضورا في ضمير الأحرار. لقد أدركنا، أكثر من أي وقت مضى، أن الحراك العالمي من أجل فلسطين لم يعد حدثا عابرا، بل هو وعي عالمي يتقدم رغم كل القمع. قد يعتقلون الناس، لكنهم غير قادرين على القبض على المعنى. قد يصادرون سفينة، لكنهم لا يستطيعون مصادرة البحر. قد يبنون السجون على الأرض كلها، لكنهم لن يجدوا جداراً قادراً على حبس فكرة الحرية. ولهذا نكتب إليكم اليوم، لا لنشتكي من العائلات، بل لتثبيت العهد. إننا ماضون على الطريق الذي بدأتموه، حاملين نفس العلم، ونفس البوصلة، ونفس الإيمان بأن فلسطين تستحق العبور إلى كل المخاطر. حتى لو طال الطريق، وإذا وضحت السبل، وإذا تكاثرت خيبات الأمل، سيبقى في هذا الوطن من يفتح البحر نحو غزة، ومن يصرخ باسم فلسطين عندما يصمت الجميع. قل لمن راهن على التعب أننا لم نتعب، وأخبر من راهن على الخوف أننا عبرناه من أول خطوة نحو البحر، وأخبر من يظن أن الاعتقال نهاية القصة أن أجمل الأفكار في التاريخ خرجت من الزنازين. أنا وأنت اليوم لسنا مجرد معتقلين. نحن نشهد زمنًا ينكشف فيه الفرق بين أولئك الذين يعيشون لأنفسهم وأولئك الذين يعيشون من أجل قضية أكبر من أعمارهم وحدودهم وخوفهم. داخل أسوار الأسر، نؤمن أكثر من أي وقت مضى أن فلسطين لا تنتظر الأبطال الخارقين، بل فقط أولئك الذين يرفضون التخلي عنها. السلام عليكم أيها الأحرار، السلام على خطواتكم التي سبقتنا إلى البحر، السلام على قلوبكم التي جعلت من تونس نافذة أخرى على غزة، والسلام على فلسطين التي ما زالت تجمعنا مهما فرقتنا السجون والحدود والبحار. المجد للحرية، المجد للأسرى، والنصر لفلسطين. * ف.ب: رئيس المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين التونسيين