اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-30 20:27:00
* بقلم فهيم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين عند جمع المعطيات المتعلقة بزيادات الأجور لسنة 2026 التي أعلن عنها اليوم، مع تطور الأسعار، وقراءتها من منظور الشعارات المرفوعة حول “الدولة الاجتماعية”، يتبين أن المسألة لا تتعلق بمجرد التوازن العددي بين النسب، بل بإشكالية أعمق تمس طبيعة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية وآليات اتخاذ القرار نفسها. ومن الناحية الشكلية، قد يبدو أن زيادة الأجور بنسبة 5% تتماشى مع معدل التضخم العام في حدود 5%، مما يشير من الناحية النظرية إلى الحفاظ على الدخل الحقيقي. ومع ذلك، فإن هذا النهج الإجمالي يخفي حقيقة أكثر تعقيدا، حيث أن هيكل التضخم غير متماثل ويؤثر بشكل رئيسي على المكونات الضرورية للاستهلاك. وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن المواد الغذائية المجانية – العمود الفقري لإنفاق الأسر – سجلت زيادة بنسبة 7.7%، مع زيادات حادة في المواد الأساسية مثل الفواكه (+17.7%)، ولحم الضأن (+16.3%)، والأسماك (+14%)، والدواجن (+12.8%). وتكشف هذه المعطيات أن «التضخم الحي» الذي يواجهه المواطن أعلى بكثير من المعدل العام، ما يجعل أي زيادة أفقية في الأجور غير قادرة على تحقيق التوازن الفعلي. ويعزز هذا الاستنتاج تسجيل زيادات في القطاعات الأخرى المرتبطة بالحياة اليومية، مثل الملابس والأحذية (+7.5%) ومواد التنظيف (+4.9%)، بالإضافة إلى ارتفاع ملحوظ في بعض الخدمات. وبالتالي فإن الضغط لا يقتصر على الغذاء، بل يشمل تكاليف المعيشة بأكملها. إلا أن محدودية هذه الزيادات لا ترجع فقط إلى فجوة التضخم، بل أيضا إلى طبيعتها وآليات إقرارها. وهي موزعة على ثلاث سنوات، ويأتي جزء مهم منها على شكل منح تتراوح بين 90 و120 دينارا، وليس على شكل زيادات مباشرة على الأجر الأساسي، ما يقلل من أثرها الحقيقي ويؤجل جزءا من تأثيرها. وفي سياق التضخم المتسارع، تفقد الزيادة المؤجلة جزءا من قيمتها قبل إنفاقها بالكامل. كما تكشف بنية الأسعار عن قصور في تدخل الدولة، من خلال الفارق الكبير بين السلع المدعومة (0.2%) والسلع المجانية (6.1%). ولا يعكس هذا التفاوت اختلافا في نظام الأسعار فحسب، بل يسلط الضوء أيضا على حدود سياسة الدعم، حيث يظل جزء كبير من الاستهلاك خاضعا لمنطق السوق دون رقابة فعالة، مما يضعف تأثير أي سياسة للأجور. ومع ذلك، فإن النقطة الأكثر حساسية تتعلق بالطريقة التي تتم بها الموافقة على هذه الزيادات نفسها. إن غياب التفاوض الفعلي مع الشركاء الاجتماعيين، واعتماد النهج التنازلي في تحديده، يجعله أقرب إلى القرار الإداري أو السياسي منه إلى نتيجة التوازن الاجتماعي التفاوضي. وفي هذا السياق، تصبح الزيادات خاضعة في المقام الأول لاعتبارات الاستقرار العام والقدرة على احتواء التوترات، بدلاً من ربطها بتقييم دقيق لتطور تكاليف المعيشة أو بآليات التوزيع العادل للثروة. ويطرح هذا البعد مشكلة أساسية: إذ أن الدولة الاجتماعية لا تقوم على محتوى القرارات فحسب، بل أيضا على طريقة إنتاجها. ويفترض هذا النموذج وجود حوار اجتماعي فعلي يتم من خلاله تحديد مستوى الأجور بما يعكس التوازن بين الأطراف، وليس مجرد قرارات أحادية. وعندما تغيب هذه الآلية تفقد الزيادات جزءاً من شرعيتها الاجتماعية وتتحول إلى أدوات ظرفية مرتبطة بالتوازنات السياسية العامة ولا شيء غير ذلك. وتنعكس هذه الطبيعة المتفوقة أيضاً في مسألة العدالة، حيث يتم اعتماد زيادات موحدة أو شبه موحدة لا تأخذ بعين الاعتبار التفاوت في مستويات الدخل أو اختلاف أنماط الاستهلاك. وبالتالي فإن الفئات الضعيفة تتضرر أكثر، على الرغم من استفادتها الاسمية من نفس الزيادة، لأن التضخم الذي تواجهه أعلى وأكثر تركيزا في الضروريات. ومن منظور «الحالة الاجتماعية»، تتأكد هنا مفارقة مزدوجة: ضعف في فعالية الزيادات من حيث مضمونها، وضعف في شرعيتها من حيث آلية إقرارها. تتدخل الدولة من خلال الأجور، لكنها لا تنظم مسارات الأسعار بالقدر نفسه، ولا تتبنى حواراً اجتماعياً فعلياً يضمن التوازن المستدام. الزيادات في الأجور لعام 2026، رغم أهميتها، تبقى محدودة في مواجهة التضخم الموجه نحو الاحتياجات الأساسية. كما أنها تعكس نهجاً من أعلى إلى أسفل في اتخاذ القرار، مما يجعلها خاضعة للتوازنات السياسية بدلاً من أن تكون نتاجاً لعملية تفاوضية واجتماعية متكاملة. وفي غياب التكامل بين سياسة الأجور وتنظيم الأسواق وتفعيل الحوار الاجتماعي، يبقى شعار «الدولة الاجتماعية» أقرب إلى الإطار الخطابي منه إلى السياسة العامة المتجسدة على أرض الواقع.*



