اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-02 16:34:00
بقلم الأستاذ سامي القلال – يُعرض كتاب الحلم الأخير؟ “تونس إلى أين؟”، الذي كتبه بالعربية الأستاذ عبد السلام القلال، المحامي والناشط السياسي في الستينيات وأحد الشهود على تطور الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد، يطرح سؤالا محوريا: لماذا لم تنجح تونس، رغم إمكانياتها البشرية والجغرافية والمؤسسية، في تحقيق نهضتها التنموية الكاملة؟ ويستعرض المؤلف مسار تونس من الاستقلال إلى مرحلة ما بعد 2011، متوقفا عند طموحات بناء الدولة الوطنية، وتجربة الاشتراكية الدستورية، ثم التحول نحو الاقتصاد الليبرالي في السبعينيات، وصولا إلى المكاسب التي تحققت بعد الثورة، ونقاط الضعف والتحديات التي رافقتها. وتسلط هذه القراءة الضوء على أن تونس حققت نموا اقتصاديا فعليا وتحديثا في عدد من المجالات، لكن ذلك لم يؤد إلى تحول بنيوي عميق وحاسم. ومن هنا، لا يقتصر الكتاب على سرد الأحداث التاريخية، بل يتناول أيضا أسباب تعثر مسار التنمية، ويقارن التجربة التونسية بتجارب عدد من الدول الآسيوية التي نجحت في تحقيق تقدم صناعي وتكنولوجي كبير. ورغم اعتراف الكاتب بالمكاسب التي حققتها تونس مثل تحسن مستوى المعيشة واتساع الطبقة الوسطى وتراجع الفقر المدقع، فإنه يتساءل لماذا تظل هذه الإنجازات محدودة وهشة ودون مستوى تطلعات جيل الاستقلال. ويعرض هذا الملخص أبرز الأفكار التي وردت في الكتاب، من خلال التركيز على مظاهر عدم اكتمال الانطلاقة الاقتصادية، ثم تحليل أربع مجموعات من الأسباب: سياسية، واقتصادية، ومؤسساتية، ومجتمعية، والتي يربطها المؤلف بهذا التعثر النسبي. ويرى الكاتب أن السبب الأول يعود إلى طبيعة النظام السياسي وانعكاساته على الاستقرار اللازم لتحقيق التنمية. ورأى أن التعددية الليبرالية ساهمت في زيادة المنافسة والصراع بين الحكومة والمعارضة والنقابات وأصحاب الأعمال وجماعات الضغط، مما أدى إلى تشتيت الجهود الوطنية وإبطاء عملية صنع القرار. ومن ناحية أخرى، يرى أن الدول الساعية إلى التنمية تحتاج إلى دولة قوية قادرة على تحديد الاتجاهات وتحديد الخيارات وتعبئة المجتمع حول أهداف الإنتاج والاستثمار. ويستشهد في هذا السياق بتجربة بعض الدول الآسيوية، وأبرزها الصين، حيث ساعدت مركزية صنع القرار السياسي في ضمان استمرارية سياسات التنمية. أما السبب الثاني فيتعلق بالنموذج التنموي الذي اعتمدته تونس منذ السبعينيات. وينتقد المؤلف نموذجا مستوحى من الاقتصادات الغربية، يقوم على الصراع بين رأس المال والعمل، وعلى آليات التفاوض الاجتماعي التي يراها غير مناسبة لدولة لا تزال في طور البناء. ويرى أن هذا النموذج عزز منطق المطالب الفئوية والتسويات قصيرة المدى، دون أن ينتج رؤية وطنية متكاملة. ومن ناحية أخرى، فهو يقدر تجربة الستينيات التي تميزت، في رأيه، بروح أكبر من التعبئة الجماعية وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الخاصة. أما السبب الثالث فهو الجانب المؤسسي والاستراتيجي، وهو غياب الرؤية طويلة المدى، إضافة إلى ضعف الحوكمة. ويؤكد المؤلف أن تونس كانت تتمتع بخصائص مهمة، منها موقعها الجغرافي، ورأسمالها البشري، وانفتاحها على أوروبا، وتجربتها الإدارية، وإمكانياتها السياحية والتعليمية. إلا أنه يرى أن هذه المزايا لم تتحول إلى استراتيجية تنافسية واضحة. وبينما نجحت بعض الدول الآسيوية في تحديد القطاعات الصناعية الواعدة، ودعم الصادرات، وتحسين جودة الإنتاج، ظلت تونس مترددة، وسياساتها العامة مبعثرة، ولم تقدم الدعم الكافي للابتكار. كما أنها لم تستثمر بالشكل المطلوب في القطاعات الواعدة مثل الصناعات الإلكترونية، والصناعات ذات القيمة المضافة العالية، والسياحة الثقافية، والتعليم العالي الدولي، والخدمات الطبية، وبعض الصناعات المتخصصة. أما السبب الرابع فهو ذو بعد ثقافي ومجتمعي. ويعرب المؤلف عن أسفه لتراجع ثقافة العمل والاجتهاد والانضباط والابتكار، وهي قيم يعتبرها أساسية لتحقيق التنمية المستدامة. ويؤكد أن الدول التي نجحت في تحقيق نهضتها لم تكتف بجذب الاستثمارات، بل عملت أيضا على استيعاب التكنولوجيا وتطوير الكفاءات وجعل الإنتاج وسيلة لتعزيز استقلالها الاقتصادي. ويرى أن تونس لم تنجح بما فيه الكفاية في تحويل تجربتها الصناعية إلى تطور تكنولوجي متقدم، وأن إعطاء الأولوية للاستهلاك الفوري على الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل قد حد من قدرتها على بناء اقتصاد قائم على الجودة والتميز والقدرة التنافسية. وفي النهاية يتميز الكتاب بتماسك تشخيصه وعمق الأسئلة التي يطرحها. ومن خلال تتبع مسار تونس من الاستقلال إلى مرحلة ما بعد 2011، يكشف عن مسيرة اتسمت بطموحات كبيرة في البداية، ثم بتحولات متتالية، وإنجازات جزئية، ونقاط ضعف ظلت دون معالجة مستدامة. ويخلص المؤلف إلى أن الفشل النسبي الذي تعيشه تونس هو نتيجة تقاطع عدة عوامل يعزز بعضها بعضا، منها عدم الاستقرار السياسي، واعتماد نموذج تنموي غير مناسب بما فيه الكفاية، وضعف الحكامة، وغياب رؤية استراتيجية واضحة، وتراجع القيم الاجتماعية الداعمة للعمل والإبداع. ويبقى الحلم الأخير للمؤلف هو رؤية تونس ترتقي، بفضل العمل والرؤية والابتكار، إلى مصاف الدول المتقدمة. ومن هذا المنطلق، يستحق الكتاب أن يُقرأ، ليس كمجرد مراجعة للماضي، بل كدعوة جادة للتفكير في مستقبل تونس. السيد سامي القلال




