تونس – الدولة والمؤسسات والنخب في تونس

اخبار تونس19 مايو 2026آخر تحديث :
تونس – الدولة والمؤسسات والنخب في تونس

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-19 10:00:00

ينطلق عنوان المقال من ملاحظة تحليلية للأسئلة المتداولة حول النخب والقيم والشؤون العامة، ويمتد نحو تفكيك العلاقة الجدلية بين الدولة ومؤسساتها، وآليات صعود القادة والمسؤولين بشكل عام. إنه تفكيك يسعى، بهدوء ورصانة، إلى الجمع بين التراث والتحليل السوسيولوجي، والتعمق في الرؤية القانونية والبنيوية للخدمة العامة، وصولاً إلى القضية الحيوية المتمثلة في تحصين الدولة بوعي المواطن المنبثق من القواعد الشعبية نفسها. العقيد محسن بن عيسى *السؤال: كيف نقرأ النصوص التراثية في ميزان العمران الإنساني؟ وفي إحدى المنشورات العربية المتداولة خارج تونس مقولة منسوبة لابن خلدون لكنها غير موجودة في مقدمته: “لا تعلموا أبناء السفهاء منكم، وإذا علمتموهم فلا تكلفوهم أمر الجيش أو القضاء، فإنهم إذا تعلموا، أي أصبحوا من أثر هذا التعليم في المناصب يجتهدون في إذلال الكرام”. وأضافت المنشورة أن أحد ملوك العرب أصدر مرسوما ملكيا يقضي بعدم الالتحاق بكليات الطب والقانون والأمن والجيش إلا من كان من أبناء “الأسر الكريمة”، إثر هذه المقولة، مشيرة إلى أن النخب التي تولت السلطة بعد ذلك كانت في معظمها من أفراد هذه الطبقة، وأنهم انقلبوا عليه لشيء فيه أو فيهم. والحقيقة أن مثل هذا الطرح، رغم حرصه الواضح على الأخلاق والانضباط، يحتاج إلى الكثير من التداول والإنصاف في قراءته التاريخية والسياسية والاجتماعية. فمن ناحية، لا يصح تحميل النصوص التراثية ما لم تقصده. كان ابن خلدون محللا عميقا لأحوال الدول والحضارة الإنسانية، يرصد ظواهر عصره وتقلبات السلطة والتعصب. ولم يكن هدفه وضع معيار ثابت يقسم الناس إلى طبقات تحتكر الفضيلة وأخرى تحمل الفساد في أصلها وطبيعتها. ثم أثبتت التجربة الإنسانية، وكذلك التجربة الوطنية التونسية، أن القيم والنزاهة لا ترتبط باسم العائلة أو الوضع الاجتماعي. ضمت الحركة الوطنية التونسية وبناء دولة الاستقلال أعضاء في الأوساط الشعبية، مثل فرحات حشاد والباهي الأدغم. كما ضمت أفراداً من عائلات ميسورة الحال، مثل بشير صفر والفاضل بن عاشور. لقد أخرجت الإدارة والجامعة والقضاء ومؤسسات الدولة رجالاً ونساءً من مختلف المناطق والطبقات، أدوا واجبهم الوطني بكفاءة ونزاهة. ومن ناحية أخرى، لم يقتصر الفساد أبدا على فئة أو أخرى، لأنه مرتبط بضعف الضمير وسوء التربية واستغلال النفوذ، وليس بالأصل الاجتماعي للشخص. سؤال: أين تقف الدولة بين منطق المؤسسات ومنطق العرض؟ وبحكم التجربة اليومية والخبرة المهنية المتراكمة داخل مؤسسات الدولة، يعلم المجتمع جيداً أن تجاوز القانون، أو استخدام السلطة لتحقيق مكاسب شخصية، ليست سلوكيات مرتبطة بطبقة معينة، بل هي أمراض يمكن أن تظهر في غياب الدافع الأخلاقي وقيم المسؤولية. لكن ما حفظ توازن الدولة والمجتمع خلال المراحل المختلفة هو وجود رجال ونساء أكفاء وشهمين وصالحين، وقفوا دائما، من منطلق الواجب والضمير، في وجه العبث والانحراف. ولعل من أبرز مظاهر الاختلال (خاصة في الفترة التي تلت عام 2011) اهتزاز هذا المنطق المؤسسي لصالح صعود «وجوه» لم تولد من رحم الدولة وتجربتها، بل أنتجتها الشاشات ووسائل الاتصال الحديثة والمساحات الافتراضية، حيث تحول معيار الجدارة والكفاءة الحقيقية إلى معيار «الفرصة» و«العرض» عبر المنصات وشبكات الاتصال، فملأ الساحة بالجمهور. عرض مستمر للاقتباسات والشعارات والسيرة الذاتية الجاهزة والافتراضية. وتكمن خطورة هذا التصور الاختزالي في أنه يفتح المجال أمام الصدفة والارتجال والشعبوية، في وقت تقاس جدية الدول بقدرتها على الفعل، وليس ببلاغة القول. وعندما يختل ميزان النخب وتتراجع هيبة المؤسسات أمام ضجيج الاستعراض، تتحول الدولة من إطار شامل للمصلحة الوطنية إلى رهينة للعواطف العامة العابرة. إن الدول المؤسسة لا تصنع قادتها على عجل، بل تنتجهم، مع مرور الوقت، من داخل مؤسساتها ومن خلال الخبرة والتقدم والقدرة على فهم المجتمع والدولة معا. سؤال: كيف نحقق الإصلاح الهيكلي من خلال التوظيف والدورات التدريبية؟ إن نقل الدولة إلى أفق مؤسسي راسخ لا يمكن أن يظل مجرد شعار. بل يتطلب سياسة إصلاحية كبرى تعيد صياغة آليات إنتاج القادة، وتعيد ضبط منطق عمل الدولة ومؤسساتها. سياسة تقوم على ثلاثة محاور دقيقة: الأول، إعادة النظر في مسارات التوظيف بالانتقال من الشهادات النظرية إلى معايير «الكفاءة الوظيفية» والاستعداد النفسي والسلوكي للمنشآت السيادية، مع فرض التدرج الميداني كشرط إلزامي للخطط القيادية لمنع إسقاط التعيينات. ثانياً، إنشاء نظام تدريبي يبني “عقيدة المنفعة العامة”، ويركز على ثقافة الدولة وواجب التحفظ، ويجعل الترقي مرتبطاً باجتياز دورات تأهيلية متجددة. ثالثاً، تفعيل الرقابة من خلال أجهزة التفتيش العامة وربط المسؤولية بمؤشرات أداء دقيقة لتكون سنداً منيعاً ضد أي تصرفات دخيلة تسيء إلى هيبة الدولة. سؤال: ما هو دور الثقافة السياسية والمواطنة في تحصين القواعد؟ لكن إصلاح مسارات الدولة من الأعلى، رغم أهميته وقيمته، يبقى منقوصاً ما لم يدعمه وعي المواطن وثقافة سياسية ناضجة من الأسفل. القواعد الشعبية هي البيئة الحاضنة التي تنتج النخب وتمنحها الشرعية من خلال الاختيار. وإذا خيمت على هذه البيئة ثقافة السطحية أو غياب قيم المسؤولية، فإن أرقى القوانين تصبح عاجزة عن حماية الفضاء العام من الاختراق. إن الفجوة الحاصلة اليوم في وعي المجتمع السياسي ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تراكمي تتقاسم مسؤوليته السياسات التعليمية والثقافية التي أفرغت المناهج من الفكر النقدي، كما تتحمل المسؤولية النخب الفكرية والأكاديمية التي تراجعت إلى أبراجها العاجية. ولا حرج على الأحزاب التي كان من المفترض أن تكون رائدة في التشكيل السياسي والوطني خدمةً للشأن العام ومصلحة الوطن، تاركة الفراغ لخوارزميات افتراضية توجه الرأي العام بالإثارة وتخلق وجوهاً بلا رصيد مؤسسي. إن بناء الدولة الصلبة يتطلب جهداً تضامنياً يعيد دور المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية في تشكيل ذهن المواطن، بحيث يكون الخيار الشعبي قائماً على العقل والتوازن والاهتمام بما ينفع الشعب، بعيداً عن التعبئة المؤقتة. سئل: كيف نتحرك نحو أفق وطني أكثر رصانة؟ إن المجتمعات الحديثة، وهي تواجه تحدياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الجسيمة، لا تحتاج إلى إحياء منطق الفصل الطبقي بين الناس. إن الحاجة ملحة اليوم إلى إرساء دولة القانون، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالكفاءة والأمانة، واستعادة الاحترام لقيم العمل والاحترام والواجب الوطني. الأوطان لا يحفظها الضجيج، ولا الغطرسة الاجتماعية، ولا ادعاءات الاستعراض. بل يحفظها توازن المجتمع ووجود الضمائر ووجود أهل المروءة والنزاهة في مختلف المواقع القادرين على مقاومة الانحراف وحماية الدولة من الانهيار. *ضابط متقاعد من الحرس الوطني.