اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-18 17:35:00
بقلم سفير دولة فلسطين لدى تونس رامي فاروق القدومي – بين نكبة 1948 وواقع 2026، لا يبدو أن القضية الفلسطينية تواجه مجرد استمرار لصراع مفتوح، بل تواجه انتقالا إسرائيليا نوعيا من إدارة الاحتلال إلى محاولة استكمال النكبة نفسها بأدوات أكثر شمولا وتعقيدا. إذا كانت النكبة الأولى قامت على التطهير العرقي المباشر وتدمير مئات القرى الفلسطينية لإقامة دولة إسرائيل، فإن ما يحدث اليوم يعكس محاولة إعادة تشكيل الأرض والسكان والهوية السياسية الفلسطينية ضمن مشروع يتجاوز مجرد تصفية القضية الفلسطينية إلى فرض واقع جيوسياسي جديد يقوم على الهيمنة الكاملة على فلسطين التاريخية، مع ما يحمله ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي العربي وللبنية السياسية التي بنيت عليها المنطقة منذ عقود. كان يوم 7 أكتوبر 2023 بمثابة نقطة تحول في طبيعة السلوك الإسرائيلي. ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد إسرائيل تتصرف كقوة تسعى إلى «إدارة الصراع»، بل كدولة تعتقد أن اللحظة الدولية والإقليمية الراهنة تسمح لها بالانتقال إلى مرحلة الحسم التاريخي. وهذا ما يفسر الترابط بين الحرب الشاملة على غزة، والتوسع الاستيطاني غير المسبوق في الضفة الغربية، وتسارع مشاريع الضم، وربط «يهودية الدولة» بالسيطرة المطلقة على الأرض وتقليص الوجود الفلسطيني ديمغرافياً وجغرافياً. وفي قلب هذا التحول يقف الدعم العسكري الأميركي غير المسبوق. وقفزت المساعدات العسكرية لإسرائيل، التي كانت تبلغ نحو 3.8 مليار دولار سنويا قبل الحرب، بحلول عام 2025 إلى أكثر من 21 مليار دولار، في واحدة من أكبر موجات التمويل العسكري في العقود الأخيرة. كما وافقت واشنطن على حزم دعم عسكري إضافية تتجاوز 16.3 مليار دولار منذ أكتوبر 2023، منها 8.7 مليار دولار ضمن الميزانية التكميلية الأمريكية، إضافة إلى المليارات المخصصة لأنظمة الدفاع الصاروخي. ولم يقتصر الأمر على التمويل، بل شمل جسرا عسكريا ضخما نقل نحو 90 ألف طن من الأسلحة والمعدات إلى إسرائيل عبر أكثر من 800 طائرة نقل و140 سفينة، تضمنت ذخيرة ثقيلة وقنابل وصواريخ وأسلحة خفيفة. ولم يكن هذا التدفق العسكري الهائل مجرد دعم لحليف استراتيجي. بل إنها زودت إسرائيل بالشعور بأن تكلفة التصعيد والحرب والضم لا تزال ممكنة على المستوى الدولي. ولذلك، انتقلت الحكومة الإسرائيلية، بقيادة تحالف ديني قومي متطرف، من محاولة احتواء الصراع إلى محاولة إعادة صياغة الواقع الفلسطيني والإقليمي بشكل كامل. ولذلك، لم تعد الحرب على الفلسطينيين مرتبطة بالأمن فقط، بل أصبحت جزءا من مشروع أوسع يسعى إلى إقامة «إسرائيل الكبرى» كواقع سياسي وجغرافي. وفي هذا السياق، تبدو غزة التعبير الأكثر دموية عن النكبة المعاصرة. لقد تجاوزت الحرب هناك منذ فترة طويلة حدود المواجهة العسكرية التقليدية، لتتحول إلى عملية تدمير شامل للبنية المدنية والاقتصادية والاجتماعية، حيث تعرض القطاع لمستويات غير مسبوقة من الدمار الذي طال المدن والمخيمات والمستشفيات والجامعات والبنية التحتية والمرافق الخدمية، ووجد مئات الآلاف من الفلسطينيين أنفسهم يواجهون النزوح والجوع وفقدان المأوى. لقد أصبحت غزة مساحة يتم فيها اختبار إمكانية إعادة إنتاج منطق الاقتلاع الجماعي الذي قامت عليه نكبة عام 1948، ولكن بأدوات أكثر تطوراً ووحشية. وفي الوقت الذي انشغل فيه العالم بالحرب على غزة، كانت إسرائيل تنفذ في الضفة الغربية أكبر عملية تغيير جغرافي منذ اتفاقيات أوسلو، حيث شهد عام 2025 المصادقة على 54 مستوطنة جديدة، مقابل ست مستوطنات فقط خلال العقود الثلاثة الممتدة بين 1993 و2022، كما تمت الموافقة على 27941 وحدة استيطانية جديدة، منها 6916 وحدة في مشروع E1 الذي يهدف إلى فصل شمال الضفة الغربية. الضفة الغربية من جنوبها. ضم القدس الكبرى والقضاء عملياً على أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. كما شهد العام نفسه إنشاء 86 بؤرة استيطانية جديدة، معظمها عبارة عن “مزارع رعي” مسلحة تستخدم للسيطرة على الأراضي الفلسطينية وتهجير سكانها. لكن خطر الاستيطان اليوم لا يكمن فقط في توسعه الكمي، بل في ارتباطه المباشر بمفهوم «يهودية الدولة» في صيغته اليمينية المتطرفة الجديدة، إذ لم تعد إسرائيل تقدم يهودية الدولة كتعريف رمزي لهوية الدولة، بل كمشروع سيادة حصرية على الأرض تتطلب تقليص الوجود الفلسطيني إلى الحد الأدنى الممكن. ولذلك، فإن التهجير القسري، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي، وعنف المستوطنين، ومحاولات إنهاء ولاية الأونروا، أصبحت جزءًا من سياسة متكاملة. ويهدف إلى إعادة هندسة المجال السكاني بطريقة تخدم إقامة سيطرة يهودية كاملة على فلسطين التاريخية. وعليه، لم يعد العنف الاستيطاني مجرد هروب للجماعات المتطرفة، بل تحول إلى وظيفة سياسية وأمنية شبه منظمة. وسجل العام 2025 أكثر من 1828 اعتداء نفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم، فيما استشهد عدد من الفلسطينيين وأصيب المئات، وتعرضت قرى وتجمعات بأكملها للاعتداء والتهجير. كما أدى التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين إلى تهجير نحو 40 ألف فلسطيني في الضفة الغربية خلال عام واحد، في حين هدمت سلطات الاحتلال أكثر من 1269 منشأة فلسطينية في المنطقة (ج) بحجة عدم الترخيص. بموازاة ذلك، تعمل إسرائيل تدريجيا على إرساء نظام قانوني دائم يعمل على تعميق الفصل بين الفلسطينيين والمستوطنين، في إطار ما أصبح يعرف بسياسة “الضم الصامت بلا إعلان”، أي فرض السيادة الإسرائيلية الفعلية على الضفة الغربية دون إعلان رسمي شامل للضم. إن قرار الكنيست الذي اعتبر الضفة الغربية “جزءا لا يتجزأ من أرض إسرائيل”، كما أسمتها يهودا والسامرة، إلى جانب القوانين المتعلقة بعقوبة الإعدام ضد السجناء الفلسطينيين، ومحاولات فرض الإدارة الإسرائيلية المباشرة على المناطق التي من المفترض أن تخضع لاتفاقات أوسلو، وتوسيع صلاحيات الوزارات الإسرائيلية داخل الضفة الغربية، كلها تعكس انتقال إسرائيل من إدارة احتلال مؤقت إلى بناء نظام سيادة قائم على التمييز الهيكلي بين مجموعتين تعيشان على نفس الأرض في ظل نظامين مختلفين للحقوق. والقوانين. كما استثمرت الحكومة الإسرائيلية ما يقارب 7 مليارات شيكل في مشاريع الطرق والبنية التحتية الاستيطانية خلال عام واحد، في إطار مشروع يهدف إلى دمج المستوطنات ضمن الجغرافيا الإسرائيلية وتحويل الضفة الغربية إلى امتداد وظيفي وأمني للدولة العبرية. ولم يعد هذا المشروع يخفي أهدافه؛ وتحدث وزراء إسرائيليون علناً عن إدخال مليون مستوطن جديد إلى الضفة الغربية، وبالتالي القضاء فعلياً على فكرة الدولة الفلسطينية. ولم يقتصر الاستهداف الإسرائيلي على الأرض، بل شمل الإنسان الفلسطيني وبنيته الاقتصادية والاجتماعية. لقد دخل الاقتصاد الفلسطيني إحدى أخطر مراحله نتيجة الحرب على غزة، وحجب أموال المقاصة التي وصلت الآن إلى أكثر من 5 مليارات دولار أمريكي، ومنع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، وتقطيع أوصال الضفة الغربية عبر مئات الحواجز العسكرية. وتجاوز الدين العام الفلسطيني 14 مليار دولار، فيما تعرضت السلطة الوطنية الفلسطينية لأزمة مالية وجودية تهدد قدرتها على الاستمرار في أداء مهامها الأساسية. وفي قلب هذه المعركة، بقي ملف الأسرى شاهداً على طبيعة المواجهة المفتوحة. ولم تتعامل إسرائيل مع الأسرى كملف أمني مجرد، بل كهدف مباشر لمحاولة كسر الإرادة الوطنية الفلسطينية من خلال تشديد ظروف الاعتقال والقيود داخل السجون، في سياق أوسع يهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني نفسيا وسياسيا. وعلى الرغم من هذا النطاق الهائل للحرب والاستهداف، فقد أظهر الفلسطينيون قدرة استثنائية على الصمود والبقاء. وفي غزة، استمر الناس في التشبث بالحياة على الرغم من الدمار والجوع والتهجير، وفي الضفة الغربية، حافظت المجتمعات الفلسطينية المهددة بالتهجير على وجودها على الرغم من تصاعد إرهاب المستوطنين. إن استمرار المؤسسات الفلسطينية، رغم الاختناق المالي والسياسي، يعكس محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من اللحمة الوطنية في مواجهة مشروع يسعى عمليا إلى تفكيك البنية السياسية الفلسطينية برمتها. وفي هذا السياق، لعبت القيادة الفلسطينية دوراً في إدارة هذا الصمود، سواء من خلال العمل السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية، أو من خلال السعي لمنع الانهيار الكامل للمؤسسات الوطنية، رغم محدودية الإمكانيات وحجم الضغوط غير المسبوقة. ولعل أهمية هذا الدور تكمن في أنه حافظ على الحضور الدولي للقضية الفلسطينية، ومنع تحول المشروع الإسرائيلي إلى «أمر واقع» نهائي وغير قابل للتفاوض. إن أخطر ما تكشفه نكبة 2026 ليس فقط حجم الدمار أو التوسع الاستيطاني، بل انتقال إسرائيل من محاولة إدارة نتائج نكبة 1948 إلى محاولة استكمالها تاريخيا. إن الحرب على غزة، والضم الصامت للضفة الغربية، وربط الدولة اليهودية بالسيطرة المطلقة على الأرض، واستهداف الاقتصاد والأسرى، والوجود الفلسطيني نفسه، ليست ملفات منفصلة، بل أجزاء من مشروع واحد يسعى إلى إعادة تشكيل فلسطين والمنطقة وفق توازن قوى تفرضه إسرائيل بدعم أميركي مطلق وغير محدود. لكن الواقع الذي لا يزال يعيق هذا المشروع اليوم هو بقاء الفلسطيني نفسه. وبعد مرور أكثر من سبعين عاماً على النكبة، لا يزال الفلسطيني حاضراً على أرضه، متمسكاً بحقوقه الوطنية، وقادراً، رغم الحرب والحصار والتهجير، على إحباط محاولات التسوية النهائية. ولذلك، فإن جوهر الصراع اليوم لم يعد مجرد صراع على الأرض، بل صراع على القدرة على اقتلاع شعب أثبت، رغم كل ما تعرض له، أن النكبة لم تنه وجوده، وأن استمرار هذا الوجود نفسه أصبح شكلاً من أشكال المقاومة التاريخية. رامي فاروق القدوم سفير دولة فلسطين لدى تونس



