تونس – بين واجب التحفظ وحق الوصول إلى المعلومة: قراءة أولية لقضية الحليب المعقم

اخبار تونس17 أبريل 2026آخر تحديث :
تونس – بين واجب التحفظ وحق الوصول إلى المعلومة: قراءة أولية لقضية الحليب المعقم

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-17 01:27:00

* بقلم فهيم بوكدوس بعد البلاغ الصادر عن الهيئة الوطنية للسلامة الصحية للمواد الغذائية بخصوص الاشتباه في عدم مطابقة منتج حليب معقم نصف منزوع الدسم، يتجلى بوضوح أن الهيئة التزمت بالإجراءات القانونية والعلمية المعمول بها، حيث تحركت على الفور، وأجرت التحقيقات الميدانية، وجمعت العينات للتحليل، واتخذت الإجراء الاحترازي بحجز الدفعات المعنية إلى حين صدور النتائج النهائية. وتندرج هذه الخطوات ضمن مبدأ الحيطة والوقاية وهو مبدأ متعارف عليه دوليا في مجال الصحة والسلامة الغذائية. إلا أن الجدل الحالي لا يتعلق بالإجراءات نفسها، بل بمسألة نشر اسم الشركة المعنية قبل صدور القرار النهائي. وهنا تبرز الحجة بأن الكشف عن اسم المؤسسة في هذه المرحلة يشكل انتهاكا للقانون واعتداء على حقوقها. وهذا الاقتراح، رغم صحته الظاهرة، يعاني من عدة نقاط ضعف قانونية وواقعية: أولا، يعتبر حق المستهلك في الحصول على المعلومات أحد الحقوق الأساسية، وقد نصت عليه العديد من التشريعات المقارنة، مثل التشريع الأوروبي، الذي يقضي، في حالات الاشتباه بوجود خطر محتمل على الصحة، بإعلام الجمهور بالمنتجات المعنية حتى قبل صدور الحكم النهائي، لتجنب أي ضرر محتمل. في هذه الحالات، يتم إعطاء الأولوية لسلامة المستهلك على المصالح التجارية. ثانياً، إن مبدأ قرينة البراءة، رغم أنه يحمي الشركات من الإدانة المسبقة، لا يعني بالضرورة التعتيم الكامل على البيانات المتعلقة بالصحة العامة، بل يتطلب التوازن بين حماية السمعة التجارية ودرء المخاطر عن المستهلكين. إن الحفاظ على سرية اسم الشركة قد يؤدي إلى استمرار استهلاك منتج يشتبه في تلفه، وهو ما يتعارض مع واجب الدولة في حماية الصحة العامة. ثالثا، تظهر التجارب المقارنة أن العديد من الهيئات الرقابية في دول مثل فرنسا وكندا تنشر أسماء المنتجات والشركات في إطار ما يعرف بـ”الاستدعاء الوقائي للمنتج”، حتى قبل استكمال كافة الإجراءات القضائية، مع توضيح أن الأمر لا يزال في مرحلة التحقق. ويكرس هذا النموذج الشفافية دون المساس بشكل أساسي بحقوق المؤسسات. أما الادعاء بأن نشر اسم الشركة من قبل الأفراد أو وسائل الإعلام قد يعرضهم للتداعيات القانونية، فهو تأكيد يحتاج إلى التدقيق. تتمتع حرية التعبير والصحافة، خاصة عندما تستند إلى بيانات رسمية أو شبه رسمية، بالحماية القانونية، بشرط الالتزام بالموضوعية وعدم الجزم على وجه اليقين بثبوت الانتهاكات. إن الإعلام المهني لا يُحكم عليه بالنشر، بل يتم تقييمه على أساس طريقة النشر ومضمونه. وفي هذا السياق، يبرز دور الإعلام كفاعل أساسي في ترسيخ الشفافية، إذ لا يقتصر دوره على نقل الاتصالات الرسمية، بل يمتد إلى محاسبة الأطراف المعنية وتنوير الرأي العام، مع احترام الضوابط المهنية والأخلاقية. فالسرية المفرطة قد تضعف ثقة المواطنين في المؤسسات، فيما تعززها الشفافية المدروسة. فالنهج السليم لا يقوم على الاختيار بين حماية الشركة أو حماية المستهلك، بل على إيجاد التوازن الذكي بينهما، على أساس الشفافية المسؤولة، والإعلام المهني، وتفعيل آليات الرقابة القانونية. إن الصحة العامة ليست مجالاً للأدب، ولا ينبغي للحقوق الاقتصادية أن تكون ذريعة لحجب المعلومات. *الصحفي ف ب، المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين