اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-29 23:43:00
بقلم الدكتور رياض الشعيبي*كشفت البيانات الواردة في تقرير أعده مكتب دراسات مجلس الشيوخ الإيطالي حول مرسوم المهام العسكرية الأجنبية لسنة 2026، عن تحول ملحوظ في التوجه الإيطالي والأوروبي تجاه جنوب البحر الأبيض المتوسط، خاصة تجاه تونس. ولا يقتصر القرار الإيطالي على توسيع الانتشار العسكري الخارجي أو مضاعفة قوات «الاستعداد العالي والمتفوق»، بل يشمل أيضاً إطلاق ثلاث مهام جديدة في العراق والصومال وتونس. وإذا كانت المهمتان الأولى والثانية تندرجان ضمن بيئات الصراع أو التهديدات الأمنية التقليدية، فإن مهمة تونس تحمل دلالات مختلفة وأعمق من مجرد التعاون الفني أو الأمني العادي. وستقود البعثة الإيطالية في تونس “الحرس المالي” الإيطالي (Guardia di Finanza)، وستعمل بالتنسيق مع الحرس البحري الوطني التونسي، من خلال إنشاء وحدة دعم في كل من تونس وصفاقس، مع توفير التدريب والدعم اللوجستي والصيانة والتأهيل الفني للأطقم التونسية، بالإضافة إلى متابعة الوحدات البحرية التي سبق أن سلمتها إيطاليا لتونس في إطار التعاون الثنائي والأوروبي. ورغم محدودية العناصر المعلنة، فإن أهمية هذه الخطوة لا تقاس بحجمها العددي، بل بطبيعة التحول الذي تعكسه. ويبدو أن إيطاليا تنتقل من سياسة الدعم عن بعد إلى أسلوب أكثر حضوراً ومباشرة ضمن النظام التشغيلي للأمن البحري التونسي. ويأتي هذا التطور في سياق أوروبي أوسع أصبح ينظر إلى جنوب البحر الأبيض المتوسط باعتباره مساحة متقدمة للأمن الأوروبي، خاصة في ظل الضغوط المتصاعدة المرتبطة بالهجرة غير النظامية، والتوترات الإقليمية في الساحل الأفريقي، والأهمية المتزايدة للسيطرة على الطرق البحرية للبحر الأبيض المتوسط. وفي هذا السياق، أصبحت تونس، وتحديدا مدينة صفاقس وساحلها الشرقي، نقطة مركزية في الحسابات الأوروبية المتعلقة بإدارة الهجرة وحماية الحدود الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط. ولذلك فإن التعامل الأوروبي مع تونس لم يعد يقتصر على الشراكات الاقتصادية أو برامج التحول الديمقراطي، بل بدأ يكتسب طابعا أمنيا متزايدا، تتقدم فيه أولويات المراقبة والجاهزية والتنسيق العملياتي. ويكشف هذا التوجه أيضاً عن تغير في طبيعة العلاقة بين أوروبا وتونس. وبدلاً من اتباع نهج يعتمد في المقام الأول على دعم التنمية أو الإصلاح السياسي، تتحول الأولوية بشكل متزايد نحو إدارة المخاطر الأمنية والهجرة. وهو ما قد يثير جدلا متصاعدا داخل تونس حول حدود التعاون الأمني، وحول التوازن بين متطلبات الشراكة الدولية والحفاظ على القرار السيادي الوطني. ويعبر إنشاء وحدات دعم ثابتة في تونس وصفاقس عن رغبة أوروبية في بناء وجود عملياتي دائم قريب من سواحل البحر الأبيض المتوسط الأكثر حساسية، مما يجعل تونس جزءا متقدما من المنظومة الأمنية الأوروبية المتوسطية. ولا يبدو أن هذا التطور ظرفي أو معزول، بل يندرج ضمن إعادة تشكيل أوسع للأولويات الأمنية في الفضاء الأورومتوسطي، حيث تتزايد أهمية الأدوار البحرية ومراقبة الحدود والتعاون الأمني المباشر مع دول الجنوب. إن ما يحدث اليوم يتجاوز فكرة «مهمة تدريبية» محدودة، ويعكس تحولا تدريجيا في موقع تونس ضمن الحسابات الاستراتيجية الأوروبية، من شريك سياسي واقتصادي إلى عنصر أساسي في معادلة الأمن والهجرة في البحر الأبيض المتوسط. *رياض الشعيبي قيادي في جبهة الإنقاذ




