اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-05 11:30:00
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على الرسول المصطفى وعلى آله وصحبه، السيدات والسادة، آل المرحوم العزيز منذر مامي وأصدقائه وأصحابه ومحبيه، “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ومنهم من مضى أجله، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً، ليجزي الله الصادقين” صدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم: إن الله كان غفورا رحيما. اليوم، في الذكرى الأربعين لفقيدنا العزيز العادل منذر مامي، نلتقي ليس فقط لنسترجع الحزن، بل لنتذكر المعنى أيضا.. معنى الحياة عندما تُعاش بصدق، ومعنى الأثر عندما يترك الإنسان في قلوب من عرفه شهادة حقيقية لرجل عاش بيننا وترك بصمته في الفكر والسلوك والعمل. عرفت الفقيد منذ الصغر. كان صديقا لأخي الأكبر في ذلك الوقت. جمعتهما العائل والجوار، وتجربة فريدة جمعتهما في مرحلة مفصلية من تاريخ العالم، عندما كانا يدرسان في باريس ويتابعان أحداث مايو 1968. لم تكن تلك اللحظة مجرد احتجاجات طلابية، بل كانت لحظة وعي، ومخاض أفكار، وممارسة مبكرة للحرية والنقد والمشاركة. وبقيت آثار تلك التجربة واضحة في شخصيته، وفي انفتاحه، وميله الدائم إلى الحوار، وهدوءه في النقد، إلا أن معرفتي بالفقيد لم تصل إلى عمقها الحقيقي إلا قبل نحو عشرين عاما، عندما توطدت علاقتنا وتحولت من مجرد معرفة قديمة إلى صداقة صادقة، صداقة تنمو ببطء، وتغذيها المواقف المشتركة والأيام التي اختبرت صدق الرجال الأمم المتحدة كنا نتقاسم الطريق من المرسى إلى باب الأقوس، حيث مقر الجمعية، نتبادل الأحاديث، ليس على سبيل الترفيه العابر، بل على سبيل التفكير الحي، الذي يبحث ويتساءل ويقارن، مع مرور الزمن، لم تعد هذه الرحلات مجرد وسيلة مواصلات يومية، بل أصبحت مساحة للتفكير المشترك، ومرآة لروحين تلتقيان في حب الشأن العام. إلى رفقة إنسانية عميقة، عززتها لقاءاتنا الأسبوعية التي حرصنا عليها في المارينا، بصحبة الأصدقاء الأعزاء، نتحدث في شؤون الحياة، من الرياضة إلى القضايا المجتمعية، من النوادر اليومية إلى أعقد القضايا الفكرية. كانت هذه اللقاءات بسيطة في الظاهر، لكنها في جوهرها مدرسة للإصغاء واحترام الاختلاف ومتعة العيش معاً أيها الحضور الكريم، لم يكن الفقيد منذر مامي رجل مناسبات، بل كان رجل مواقف لقد أدرك أن قيمة الإنسان لا تقاس بارتفاع صوته، بل بثباته عندما تُختبر المبادئ. لقد أتيحت لي فرصة نادرة للعمل معه في وقت حرج من تاريخ بلادنا، عندما انضممنا إلى رئاسة الجمهورية معا: أنا مستشارا خاصا، وهو المدير العام للمراسم. في تلك اللحظة، عندما كانت تونس تخطو خطواتها الأولى على طريق ديمقراطي دقيق، ظهرت صفاته الحقيقية: الدقة في العمل، والهدوء في اتخاذ القرار، والحرص الشديد على أن ترقى الدولة، في صورتها ورمزيتها، إلى مستوى تطلعات شعبها. وأذكر، في هذا السياق، دوره المحوري في تنظيم حفل انتقال السلطة عقب الانتخابات الرئاسية 2014، وهي لحظة كان من الممكن أن يشوبها الارتباك، لكنها مرت في أبهى صورها، بفضل كفاءته العالية، وإحساسه العميق بالدولة، وإدراكه لأهمية الرمز في ترسيخ المعنى تجسيد لمسيرة رجل آمن بأن خدمة الدولة ليست وظيفة، بل واجب أخلاقي. وعندما حاول البعض تقويض منصبه، لم يتزحزح، ليس لأنه تمسّك بالمنصب، بل لأن الثقة الممنوحة له كانت أقوى من كل الاعتبارات الضيقة: الكفاءة عندما تقترن بالنزاهة تصبح حصناً منيعاً أيها السادة، كان الفقيد مثقفاً حقاً، ليس بالتظاهر، واسع الاطلاع، ذو بصيرة، شغوف بالعلاقات الدولية، ينخرط في النقاش، لا لإظهار المعرفة، بل لإضافة معنى. كان يعرف كيف يستمع، وهذه صفة نادرة، لأن الاستماع هو الوجه الآخر للذكاء. علاوة على ذلك، كان مخلصا لأصله، لمدينته، للمرسى التي أحبها ومن أحبه، لم تكن بالنسبة له مجرد ذكرى وهوية، وكان يتابع شؤونها، كما يتابع المرء شؤون بيته، بعناية وحماس وانتماء. بل لوالده المناضل عبد الرحمن مامي، الذي لم يكتف بأن يكون ابنه، بل كان امتدادا لرسالته، وكان حريصا على إبقاء ذكرى النضال حية، وأن يعلم الأجيال ما قدمه والده في خدمة الحركة الوطنية، في وقت بني الوطن بالتضحيات، ولم يكن ذلك وفاء عائليا فحسب، بل وفاء للتاريخ نفسه، أيها السيدات والسادة، عندما ننعي هذا الرجل اليوم، فإننا لا نستحضر سيرة فرد فحسب، بل نحن كذلك. استحضار نموذج: نموذج الإنسان الذي جمع بين الثقافة والمسؤولية، بين الصداقة والالتزام، بين الولاء للماضي والانخراط في الحاضر. كان في حياته هادئا كعادته، عميقا مثل أفكاره، صادقا مثل علاقاته، وها هو اليوم، في غيابه، يترك فراغا لا يمكن ملؤه، لكنه يترك أيضا أثرا لن يختفي أبدا يا صديقي العزيز، فقد أديت واجبك وكنت وفيا لما آمنت به. الذكريات ليس اسمًا نذكره، بل قيمة نتطلع إليها، وكصورة إنسان يمكن الاقتداء بها، رحمك الله، وجعل ذكراك الطيبة صدقة جارية، وألهم أهلك وأقاربك ومحبيك الصبر والسلوان “وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين”. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. * كلمة الأستاذ رافع بن عاشور في أربعينية المرحوم منذر مامي السبت 4 نيسان 2026 في مقر الودادية القاضمية للمدرسة الوطنية للإدارة. اقرأ المزيد • وفاة السفير منذر مامي • أربعينية السفير منذر مامي: ذكرى للصفات الدبلوماسية المتميزة (ألبومات الصور)


