تونس – عندما تصبح الحرب جزءا من إيقاع حياتنا اليومي

اخبار تونس9 مارس 2026آخر تحديث :
تونس – عندما تصبح الحرب جزءا من إيقاع حياتنا اليومي

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-09 09:57:00

وصدرت في الأيام الأخيرة بيانات عديدة عن زعماء سياسيين ودينيين حول الحروب التي يشهدها العالم، تدين العنف وتطالب بالعدالة ووقف الجرائم. وجاء أحد هذه التصريحات في رسالة وجهها رئيس مجلس السياسة الدينية في إيران إلى الزعماء الدينيين في العالم، تحدث فيها عن قتل الأطفال وانتهاك القوانين الدولية، وضرورة صحوة الضمير العالمي. منال البوشي * لا شك أن مثل هذه التصريحات تعبر عن ألم حقيقي وغضب أخلاقي مفهوم إزاء مشاهد الدمار، لكنها تكشف أيضاً شيئاً أعمق: الطريقة التي أصبح بها العالم يتحدث عن الحرب. في الوقت الذي لم تعد فيه القنابل تسقط على المدن فحسب، بل على الشاشات أيضًا، تغير شيء عميق في وعينا الجماعي. لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً يقطع مجرى الحياة، بل أصبحت جزءاً من إيقاعها اليومي: نشرات عاجلة، وتحليلات عسكرية، وصور أطفال تحت الأنقاض… ومن ثم فاصل تجاري. ولم يعد الخطر في العنف وحده، بل في قدرتنا المتزايدة على التكيف معه. وفي غزة، ينام الأطفال في خيام مبللة، والطين يلتصق بأقدامهم الصغيرة كما لو كان يذكر الأرض بثقلها الأخلاقي. وفي أماكن أخرى من العالم، تتحول المدارس إلى أهداف، وتتحول الفصول الدراسية إلى صمت كثيف بعد الانفجار. لكن الخطاب العام يستمر بلغته الباردة: ضربة محسوبة، رد، توازن، ردع… هشاشة الجسد البشري عندما يختزل إلى عدد. لكن ما هي المعادلة التي يمكن أن تحسب بها الطفولة التي تم تدميرها؟ تبدو السياسة الدولية، كما تُقدم لنا، وكأنها شبكة معقدة من المصالح والتحالفات والمحاور: خرائط ملونة، وخطوط أفقية وعمودية، ومناطق نفوذ تتوسع أو تتقلص. لكن هذه الخرائط، مهما كانت دقيقة، لا تظهر ما هو الأهم: هشاشة الجسم البشري عندما يختزل إلى رقم. المشكلة ليست أن العالم يشهد صراعات، فالتاريخ عبارة عن سلسلة طويلة من الحروب، بل إن الحروب فقدت قدرتها على صدمتنا. نحن نشاهد الدمار وكأننا نشاهد مسلسلا لا نهاية له: نحلل، نختلف، نعلق، ثم نغير القناة. إنها لحظة تحول أخلاقي خطير: عندما يتحول الألم إلى محتوى. لقد شرح علم النفس هذه الظاهرة لفترة طويلة. ولاحظ فرويد أن النفس البشرية عند تعرضها لصدمات متكررة تطور آليات دفاعية لحماية نفسها، إذ لا يستطيع العقل أن يعيش في حالة صدمة دائمة، فيبدأ تدريجيا في تقليل شدة الاستجابة الانفعالية. ما كان في البداية مأساة أصبح في النهاية خبرًا عاجلاً آخر. لكن ما يحدث على المستوى الفردي يمكن عندما يتكرر على نطاق واسع أن يتحول إلى ظاهرة نفسية جماعية: التعرض المستمر لصور العنف لا يجعل العالم أقل عنفاً، بل يجعلنا أكثر قدرة على التكيف معه. وهنا يظهر بعد آخر للمشكلة، يشير إليه تحليل حنة أرندت لما أسمته “تفاهة الشر”، حيث لاحظت أن الشر لا يظهر دائما على شكل كراهية صاخبة أو وحشية استثنائية، بل قد يظهر على شكل لغة إدارية باردة، تتحول فيها الجرائم إلى إجراءات، والقتل إلى عملية ضمن آلة بيروقراطية تنظم العنف وتجعله يبدو عاديا. عندما تتحول الجرائم إلى أفعال باردة، فإن هذا التحول اللغوي ليس تفصيلاً ثانويًا. اللغة لا تصف الواقع فحسب، بل تعيد تشكيله أخلاقيا. وعندما يصبح العنف مصطلحاً تقنياً، يصبح من الأسهل إدخاله في الحسابات السياسية من دون إثارة نفس الارتباك الأخلاقي. ومع تطور وسائل الإعلام الحديثة، يضيف جان بودريار بعدًا ثالثًا إلى هذا التحليل: فالحرب التي يعيشها الجمهور ليست الحرب نفسها، بل صورتها الإعلامية. ما يصل إلى المشاهد ليس التجربة المباشرة للدمار، بل تمثيل بصري منظم له. في هذا العالم المشبع بالصور، يصبح العنف مشهدًا مستمرًا؛ الألم لا يختفي، لكنه يصبح جزءًا من التدفق. وهنا تكمن المفارقة القاسية: كلما زادت قدرتنا على رؤية الحرب، قلّت قدرتنا على الشعور بها. لكن الأخطر من ذلك هو أن هذه العادة قد لا تكون مجرد نتيجة للحروب، بل هي أحد الشروط التي تسمح لها بالاستمرار، فالحروب الحديثة لا تشن في ساحات القتال فحسب، بل تُشن ضمن فضاء الإدراك العام أيضا. ومع اعتياد الجمهور أكثر على مشاهد العنف، تتضاءل قدرة هذه المشاهد على إحداث الصدمة السياسية التي قد تجبرهم على التوقف. وبهذا المعنى، فإن العنف لا يغير العالم الخارجي فحسب، بل يغير عتبة تقبلنا له. وأشار رينيه جيرار إلى أن المجتمعات البشرية حاولت دائما احتواء توتراتها من خلال توجيه العنف نحو الضحية، لكن العالم الحديث، بفضل وسائل الإعلام العالمية، لم يعد يخفي العنف ضمن الطقوس، بل يكشفه للجميع، ومع تكرار هذا العرض يحدث تحول خطير: لم يعد العنف صادما. وفي النهاية، فإن الحروب لا تختبر قوة الجيوش أو قدرة الدول على الصمود فحسب، بل إنها تختبر شيئًا أكثر هشاشة بكثير: حساسية الإنسان للألم. المشكلة ليست فقط أن العالم لا يزال يعرف الحروب، بل أن الإنسان قد يتعلم ببطء شديد كيف يتعايش معها دون أن يشعر بأن شيئًا أساسيًا قد انكسر بداخله. وعندما يحدث هذا، فإن الدمار لا يقتصر على المدن فحسب، بل على شيء أعمق من ذلك بكثير: قدرة الإنسان على الارتجاف في وجه الألم. وهذا بحد ذاته هزيمة. خبير علم النفس.