تونس – عندما تفقد القوة العظمى مبادئها..

اخبار تونس29 يناير 2026آخر تحديث :
تونس – عندما تفقد القوة العظمى مبادئها..

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-29 11:33:00

في صباح يوم 20 يناير 2025، وقف دونالد ترامب مرة أخرى أمام مبنى الكابيتول ليؤدي اليمين كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية للمرة الثانية. ولم يكن هذا الحدث مجرد عودة رجل مثير للجدل إلى السلطة، بل كان بمثابة تكريس لقطيعة معرفية عميقة في طبيعة القوة الأمريكية وممارستها على الساحة الدولية. العقيد محسن بن عيسى * منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قامت الولايات المتحدة ببناء قوتها العالمية على ثلاث ركائز متكاملة: الهيمنة العسكرية، والزعامة الاقتصادية، والقوة الناعمة. لكن ما نشهده مع ترامب في ولايته الحالية هو تفكيك ممنهج لهذا النموذج الاستراتيجي. النموذج الإمبراطوري الجديد تاريخيا، قامت الولايات المتحدة ببناء قوتها العالمية على “الثالوث الإمبراطوري” الذي سمح لها بممارسة نوع فريد من القيادة الدولية، والجمع بين القوة الصارمة (فرض الإرادة بالقوة أو التهديد المباشر) والقدرة على تشكيل القيم والمعايير العالمية. لكن ما يحدث اليوم في السياسة الأميركية يؤكد أن ترامب يقترح نموذجا بديلا يقوم أيضا على ثلاث ركائز: إزالة الإيديولوجية الليبرالية واستبدالها بالهوية الحضارية، وخصخصة أدوات السلطة وتفكيك المؤسسات التقليدية، واعتماد الحرب المعرفية كاستراتيجية للحكم. ولم تغب الإشارات، إذ أحدثت ولايته الأولى (2017-2020) هزات وأربكت النظام الدولي الليبرالي بالانسحاب من الاتفاقيات الدولية (اتفاق باريس للمناخ، الاتفاق النووي الإيراني، معاهدة التجارة عبر المحيط الهادئ)، والتشكيك في جدوى حلف شمال الأطلسي، وشن الحرب التجارية ضد الصين. ويمثل هذا المصطلح امتدادا متطرفا وممنهجا يحول هذه الخيارات المربكة إلى عقيدة استراتيجية متماسكة. هذا بالإضافة إلى أيديولوجية السياسة الخارجية وتحولها من مشروع ليبرالي عالمي إلى دفاع حضاري ديني عن هوية محددة. ولم يعد الأمر يتعلق بـ«أميركا أولاً» كشعار عملي، بل يتعلق بـ«أميركا المسيحية ضد العالم» كمشروع وجودي. وهذا التحول ملحوظ في الوثائق الاستراتيجية: استراتيجية الأمن القومي 2025، التي تحدد التهديدات بلغة حضارية، تتحدث عن «الجنوب العالمي» كميدان للمواجهة، وتعيد صراحة «مبدأ مونرو» بشكل معاصر. وهذا التحول لم يأت من العدم. إن كل من يتابع السياسة الخارجية الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة يلاحظ تآكلاً تدريجياً لليقينات الليبرالية: من الأحادية القطبية في التسعينيات، مروراً بمغامرات بوش الابن الكارثية في العراق، وصولاً إلى تردد أوباما وشعاراته الجوفاء (الخط الأحمر في سوريا، والاتفاق النووي مع إيران الذي نسفه خليفته، والتدخل في ليبيا ثم الهروب). لقد مهد أوباما، الليبرالي المثالي ظاهريا، الطريق أمام ترامب من خلال إفلاس الخطاب الليبرالي وكشف تناقضاته. لكن ترامب لم يسرع هذا التآكل فحسب، بل حوله أيضا إلى مشروع سياسي. اللاعقلانية الاستراتيجية تسعى الولايات المتحدة اليوم إلى استعادة قواعد اللعبة الدولية من خلال نموذج استراتيجي جديد، يتلخص في الانتقال من الدبلوماسية المؤسسية إلى الدبلوماسية السردية، ومن القوة كوسيلة إلى القوة كأيديولوجية، ومن العقلانية الاستراتيجية إلى اللاعقلانية المحسوبة. ولعل أوضح تجليات هذا النموذج هو ما نشهده منذ فترة. ويكشف التصعيد العسكري ضد إيران، والذي يتجاوز الردع إلى التهديد الصريح بتغيير النظام، عن تحول من الاحتواء الاستراتيجي إلى المواجهة المباشرة دون النظر إلى التكلفة الإقليمية. وفي فنزويلا تتجاوز السياسة الأميركية دعم المعارضة إلى التدخل في الشؤون الداخلية، واعتقال رئيسها وزوجته، والتهديد بالخيارات العسكرية، في استعادة واضحة لعقيدة “الفناء الخلفي” التي ميزت السياسة الأميركية في أميركا اللاتينية طيلة القرن العشرين. تأسست على مبدأ مونرو في عام 1823، والذي بموجبه تعتبر الولايات المتحدة أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي مجالها الحصري. أما التهديدات الموجهة إلى كندا بضمها كدولة أميركية، فحتى لو جاءت بشكل استفزازي، فإنها تعكس استهتاراً غير مسبوق بالشراكات التاريخية والأعراف الدبلوماسية. والأمر الأكثر دلالة هو الحديث المتكرر عن السيطرة على جرينلاند، إما بالشراء أو بالقوة، وهو ما يعيد بشكل لا لبس فيه المنطق القديم للاستعمار الإقليمي. وهذه التصرفات ليست مجرد تصريحات عابرة أو مناورات تفاوضية، بل هي تعبير واضح عن رؤية جديدة ترى في منطق القوة بديلاً للشرعية الدولية، والتوسع الجغرافي المباشر كاستراتيجية مشروعة، وتجاهل السيادة الوطنية للحلفاء على الخصوم أمراً مقبولاً. إنها عودة واضحة إلى عقلية القرن التاسع عشر، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين. وبطبيعة الحال، كان لهذا النموذج تداعيات عميقة على النظام الدولي: تآكل الثقة في الضمانات الأميركية (حلف شمال الأطلسي واليابان وكوريا الجنوبية)، وتسارع التعددية القطبية (صعود مجموعة البريكس، والتحالفات العابرة للإيديولوجيات)، وظهور نماذج بديلة قوية (الصين وروسيا) لملء فراغ القيمة الذي خلفته واشنطن. وأحد التحولات الأكثر دلالة في هذا السياق هو تفكيك البنية التحتية للدبلوماسية العامة الأميركية التقليدية. ولم يعد الأمر يتعلق بتعديل أولويات السياسة الخارجية أو إعادة توزيع الموارد بين مناطق العالم، بل أصبح الأمر يتعلق بإعادة تعريف جذرية لمفهوم القوة في حد ذاته. إن الولايات المتحدة في ولاية ترامب الثانية لا تسعى إلى تصدير الديمقراطية، ولا تدعي أنها تمثل القيم العالمية، ولا تتظاهر بأنها محايدة من الناحية المعيارية. وبدلا من ذلك، تنخرط في حرب حضارية معلنة، وتدافع عن هوية مسيحية محافظة، وتسلح الاقتصاد، وتحول المعلومات والروايات إلى ساحة معركة كبرى. إن سياسة ترامب ليست خطأ استراتيجيا عابرا، بل هي نموذج بديل يسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي برمته. ماذا يجب على الدول العربية أن تفعل؟ في ظل النتيجة السلبية للدور الأمريكي في المنطقة العربية خلال العقود الماضية، كما ظهر في فلسطين والعراق وليبيا وسوريا واليمن والسودان، ومع تحول السياسة الأمريكية نحو مزيد من الذرائعية الفجاجة وتغليب المصالح الضيقة على أي التزامات أخلاقية أو سياسية، أصبح من الضروري إعادة تعريف العلاقة العربية الأمريكية على أسس جديدة. فالأمر لا يتعلق بالقطيعة الشاملة مع الولايات المتحدة، وهو خيار غير واقعي ولا يخدم المصالح العربية، بل يتعلق ببناء استقلال استراتيجي يضع المصالح العربية في المقام الأول وينهي نمط التبعية الذي قيد صنع القرار العربي لعقود طويلة. ويتطلب هذا الاستقلال التحرك عبر ثلاثة مسارات متكاملة وحاسمة. الاستقلال السياسي: يتطلب اعتماد سياسة خارجية متوازنة، تقوم على تنويع الشراكات الدولية دون الاعتماد على أي محور. ويشمل ذلك تعزيز التعاون مع أوروبا كشريك طبيعي، ومع الصين كقوة اقتصادية صاعدة، ومع روسيا لتحقيق درجة من التوازن الاستراتيجي، بالإضافة إلى الانفتاح المنظم على القوى الإقليمية مثل تركيا والهند، وتفعيل التعاون بين بلدان الجنوب بهدف الحد من الهيمنة الأحادية على النظام الاقتصادي العالمي. الاستقلال الاقتصادي: لا يمكن تحقيق الاستقلال السياسي دون وجود قاعدة اقتصادية متينة. إن العالم العربي مطالب بكسر التبعية المالية من خلال تنويع اقتصاده والتفكير جديا في مرحلة ما بعد النفط، إضافة إلى اعتبار الأمن الغذائي مسألة أمن قومي في ظل اعتماد المنطقة على استيراد أكثر من نصف احتياجاتها الغذائية. ومن ضمن هذا السياق أيضاً السعي إلى إنشاء آليات مالية عربية مستقلة، بما في ذلك صندوق نقد عربي فعال، كبديل للاعتماد على شروط المؤسسات المالية الدولية. الاستقلال الأمني: في المجال الأمني، هناك حاجة إلى تطوير صناعة عسكرية محلية وعربية مشتركة، خاصة أن الدول العربية تنفق مئات المليارات سنويا على التسلح المستورد، دون أن يكون لها قرار فني أو استراتيجي مستقل. وهذا يكمل العمل التدريجي لبناء نظام دفاعي عربي قادر على توفير الحد الأدنى من الردع وحماية المصالح المشتركة. والرهان الحقيقي ليس على استبدال تبعية بأخرى، بل على بناء قدرة عربية مستقلة تسمح بهامش أوسع من الحركة في نظام دولي متحول، وتمنح عملية صنع القرار العربي ما افتقرت إليه لفترة طويلة: الاستقلال، والواقعية، والقدرة على المناورة. *ضابط متقاعد من الحرس الوطني.