تونس – غسان الهنشيري… عندما يصبح الألم اختباراً للعدالة والحرية

اخبار تونس4 يوليو 2026آخر تحديث :
تونس – غسان الهنشيري… عندما يصبح الألم اختباراً للعدالة والحرية

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-04 20:53:00

بقلم فهيم بوكدوس الصمت لم يعد ممكنا، لأن ما نقلته الأستاذة عفاف زروق بعد زيارتها لغسان الهنشيري، وما أكدته عائلته، لا يرتبط بمجرد تطور صحي عابر، بل بحالة إنسانية تثير قلقا عميقا. بدا غسان شاحبًا ومرهقًا وفقد الكثير من وزنه. إصابة قديمة في الرأس تعرض لها نتيجة الاعتداء على المشاركين في أسطول الصمود، تفاقمت من جديد وزاد الألم حدة، فيما لا تزال آلام الظهر الشديدة تحرمه من النوم والراحة. إنها صورة مؤلمة لشخص منهك الجسد، لكن روحه لا تزال تقاوم. والأدهى من الألم نفسه هو أن غسان لم يجعل معاناته محور حديثه. سأل عن غزة، عن الحرب، عن الأصدقاء والرفاق، وقال بثقة: «لن ينسوني هنا، أعرفهم جيدًا». وعندما سأله محاميه إن كان نادماً، كانت إجابته حاسمة: لو عاد الزمن إلى الوراء لاختار أسطول الصمود من جديد. ثم نصح من جاء للاطمئنان عليه أن يوجه أنظاره إلى غزة قائلا: “خلي عيونكم على غزة.. سنكون بخير”. كلمات تلخص شخصية الرجل عندما تختبر القناعات بالألم وليس بالشعارات. غسان ليس وحده في هذه المحنة. وإلى جانبه رفاقه وائل نوار وغسان البغديري ونبيل الشنوفي، وجميعهم جزء من قضية واحدة، وتجربة واحدة، ومعاناة واحدة. وما روته الأستاذة عفاف زروق عن وائل نوار، عندما وصفته بنفس الثبات والثبات ووضوح الرؤية، يؤكد أن هؤلاء الرجال، رغم السجن والمرض والإرهاق، ما زالوا متمسكين بما يعتبرونه قضية عادلة، وما زالوا يرسلون رسائل تطمئن من هم خارج الأسوار بدلا من الشفقة على أنفسهم. لكن البطولة لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن المعاناة. صمود الإنسان لا يلغي حقه في العلاج، ولا ينفي حقه في الكرامة، ولا يبرر مواجهة المرض في ظروف اعتقال تزيد من آلامه. إن ما تطالب به عائلة غسان اليوم ليس امتيازا، بل هو الحد الأدنى الذي تفرضه المبادئ الإنسانية والقانونية: الرعاية الصحية، والسلامة الجسدية، واحترام الكرامة الإنسانية. في المقابل، يبقى السؤال الأكبر مطروحا بإلحاح: إلى أي مدى يستمر اعتقال معتقلي أسطول الصمود؟ لقد تجاوزت هذه القضية منذ فترة طويلة حدود قضية المحكمة العادية. ويكشف جزئياً عن طبيعة العلاقة بين الدولة والمجال المدني، وبين السلطة وحق المبادرة والتضامن. لم يكن أسطول الصمود منظمة سرية، ولم يكن نشاطًا خفيًا. بل كانت مبادرة مدنية معلنة، عُرضت أهدافها للرأي العام، وانطلقت في إطار التضامن الإنساني مع شعب يعيش تحت الحصار والحرب. ولذلك، فإن استمرار إيقاف المشاركين فيه، لأشهر طويلة، يثير جدلاً مشروعاً حول مدى التناسب بين الإجراءات المتخذة وطبيعة الوقائع، خاصة أن مبدأ القانون هو أن يبقى الإيقاف الاحتياطي إجراءً استثنائياً لا يتحول مع مرور الوقت إلى عقوبة تسبق الحكم. ولا تقاس قوة العدالة بقدرتها على التعقب فحسب، بل أيضا بقدرتها على حماية الحرية، وإثبات قرينة البراءة، وتجنب أن تصبح طول الإجراءات عبئا إضافيا على أولئك الذين لم تصدر ضدهم أحكام نهائية. وعندما تطول فترة الإيقاف، تتجاوز القضية بعدها الإجرائي، لتصبح اختبارا للتوازن بين متطلبات البحث القضائي واحترام الحقوق الأساسية للأفراد. كما أن السياق الدولي يجعل هذه القضية أكثر حساسية. في الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات العالمية لرفع الحصار عن غزة، وحماية العمل الإنساني، وضمان وصول المساعدات إلى المدنيين، فإن استمرار احتجاز الأشخاص المرتبطين بمبادرة التضامن مع غزة يبدو وكأنه مسألة سياسية وقانونية. وليس المقصود هنا مصادرة حق القضاء في النظر في الملفات، بل التأكيد على أن العدالة تكتسب شرعيتها أيضاً من قدرتها على تحقيق التوازن، ومن حرصها على عدم تحول الإجراءات الاستثنائية إلى وضع دائم. اليوم، الأمر لا يتعلق بغسان الهنشيري وحده، ولا بوائل نوار، ولا بغسان البغديري، ولا بنبيل الشنوفي. ويرتبط بصورة العدالة ذاتها، وقدرتها على البقاء وفية لروح القانون، حيث الحرية هي المبدأ، والإيقاف هو الاستثناء، وقرينة البراءة واقع عملي وليس مجرد نص قانوني. تدهور وضع غسان الصحي يجعل المطالبة بالإفراج عنه ورفاقه أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ليس لأنهم فوق القانون، بل لأن دولة القانون الحقيقية تقاس بقدرته على حماية الناس، وضمان بقاء العدالة طريقاً للإنصاف، وألا يتحول الزمن الإجرائي، مهما كانت مبرراته، إلى عقوبة في حد ذاته. فالحرية، عندما تقترن بالكرامة والعدالة، ليست انتصارا لأشخاص محددين، بل هي انتصار للدولة ومؤسساتها ومعنى القانون نفسه. *فهيم بوكدوس هو المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين