تونس – فهيم بوكدوس ينعي عبد الجليل حمدي: “وداعا يا راجل الخبز…”

اخبار تونسمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
تونس – فهيم بوكدوس ينعي عبد الجليل حمدي: “وداعا يا راجل الخبز…”

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-01 00:04:00

*بقلم فهيم بوكدوس هناك أناس يعيشون الحياة في صمت. ليس لها منصب، ولا لها منبر، ولا تصنعها عدسات الإعلام. يعيشون كما يعيش الناس، بأحلامهم الصغيرة وآلامهم اليومية، ثم تأتي لحظة واحدة، لحظة صادقة لا تخضع للحسابات، وتجعلهم جزءا من ذاكرة أمة بأكملها. وكان عبد الجليل حمدي واحداً منهم. ربما لم يعرفه الكثيرون، وربما لم يلتقوا به قط، ولم تجمعهم صداقة أو قرابة أو مهمة، لكنه شاء القدر أن يترك لنا صورة أصبحت أكبر من صاحبها، وأبلغ من آلاف الخطب والشعارات. صورة لا تحتاج إلى شرح، فتفاصيلها تتكلم وحدها. في ذلك اليوم المميز من أيام الثورة التونسية، حيث كانت البلاد تقف على حافة تاريخ جديد، لم يحمل الرجل سلاحا، ولم يرفع حجرا، ولم يلوح بعصا. كان يحمل رغيف خبز. ركع على ركبة واحدة وسط شارع الثورة، بينما امتدت أمامه صفوف من قوات الأمن بعتادهم وخوذاتهم وهراواتهم. كانت هناك مسافة زفت بين الرجل وتلك الصفوف، لكنها في الحقيقة مسافة بين عالمين: عالم المواطن البسيط الذي يبحث عن الكرامة، وعالم السلطة التي تحاول إيقاف موجة الغضب. لقد كان وحيدا. الوحدة في تلك الصورة ليست ضعفا، بل بطولة صامتة. رجل نحيف، يرتدي ملابس محتشمة، ولا تظهر عليه علامات القيادة التقليدية أو البطولة. ولم يكن يقود الجماهير، ولم يعظ الناس. لقد كان مجرد تونسي بسيط، لكنه في تلك اللحظة كان يحمل على كتفيه رمزية شعب بأكمله. أما رغيف الخبز الذي كان يربيه، فلم يعد مجرد طعام يسد الجوع. تتحول إلى رسالة. إلى سؤال مؤلم: كيف يمكن لأبسط حقوق الإنسان أن تصبح سببا لكل هذا الصراع؟ كيف يمكن لرغيف خبز صغير أن يقف في وجه بلد بأكمله؟ ولهذا تبقى الصورة. لقد بقيت ليس لأنها كانت جميلة من الناحية الفنية، ولكن لأنها كانت صادقة. لأنها صورت لحظة نادرة يتجرد فيها الإنسان من كل شيء إلا إنسانيته. تمر السنوات، وتتغير المواقف، وتختلف القراءات السياسية، ويتجادل الناس حول الثورة وما آل إليه البلد، لكن بعض الصور تنجو من كل الخلافات، لأنها لم تعد تتعلق بالسياسة وحدها، بل أصبحت تتعلق بالذاكرة. وصورة عبد الجليل حمدي هي إحدى تلك الصور. كلما عادت إلى ذهنها، عاد معها ذلك الشعور الغريب الذي جمع بين الألم والكرامة، بين الخوف والأمل، بين هشاشة الإنسان وقوة موقفه. صورة تقول أن التاريخ قد يصنعه رجل مجهول، يقف في المكان المناسب، في اللحظة المناسبة، حاملاً رغيف الخبز بدلاً من أي سلاح. واليوم رحل الرجل. رحل بهدوء، إذ عاش بعيداً عن الأضواء، دون أن يطالب بالشهرة، أو يسعى إلى أن يصبح رمزاً. لكنه ترك وراءه ما لا يستطيع الكثير من المشاهير أن يتركوه وراءهم: علامة لا يمكن للزمن أن يمحوها. قد لا يتذكر الناس تفاصيل حياته أو مهنته أو سنواته الأخيرة، لكن كلما مرت ذكرى 14 يناير، أو كلما عادت تلك الصورة إلى الواجهة، سيتذكرون أنه كان هناك رجل بسيط واجه الخوف برغيف الخبز، وكانت تلك الطلقة الواحدة كافية لتخليد اسمه في الذاكرة التونسية. رحم الله عبد الجليل حمدي. وارحم من لم يطلب المجد لنفسه بل اختارهم التاريخ ليكونوا وجوها في ذاكرة الشعوب. بعض الناس يتركون وراءهم كتباً، والبعض يترك رسائل، لكنه… ترك صورة، والصورة أبلغ من كل الكلمات. *فهيم بوكدوس، المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين