تونس – كأس العالم FIFA: عندما تتكلم الأعلام!

اخبار تونسمنذ 58 دقيقةآخر تحديث :
تونس – كأس العالم FIFA: عندما تتكلم الأعلام!

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-25 09:18:00

لم تكن خسارة المنتخب الوطني لكرة القدم في مونديال 2026 تبدو مجرد هزيمة في مباراة، بل بدت للكثيرين بمثابة صدمة ضربت المجتمع بأكمله. فعندما تضيق مساحات النجاح الجماعي، تصبح الرموز الوطنية أثقل مما تستطيع تحمله، وتتحول نتائجها إلى مرآة تعكس آمال الناس ومخاوفهم. العقيد محسن بن عيسى * عندما ينهزم المنتخب لا يتأثر الناس بمجرد نتيجة. إنهم يشعرون أن شيئًا أعمق قد انكسر، وهو أمر يصعب تسميته، لكنه يجعل كرة القدم أكثر من مجرد رياضة، ويجعل كأس العالم مرآة ترى فيها الأمم صورتها كما تتخيلها، أو كما تتمنى أن تكون. وفي العديد من البلدان النامية، لا يُنظر إلى بطولة كأس العالم باعتبارها بطولة رياضية فحسب، بل باعتبارها فرصة لإثبات احترام الذات على المستوى الوطني واكتساب الاعتراف الدولي. وفي الدول المتقدمة، يعد هذا جزءًا من مشروع رياضي واقتصادي مستمر، وليس اختبارًا للهوية أو المكانة بين الأمم. كرة القدم مرآة للهوية الوطنية. هناك بالطبع انقسامات سياسية وفكرية واجتماعية داخل كل مجتمع، لكن المنتخب الوطني يمثل مساحة نادرة يجتمع فيها الجميع حول هوية واحدة. ولهذا ترى أشخاصاً يختلفون في كل شيء تقريباً، ثم يقفون جنباً إلى جنب عند عزف النشيد الوطني أو عندما يسجل الخصم هدفاً يحمل ألوان الوطن. وفي هذا السياق، يبحث الإنسان أينما كان عن الاعتراف والانتماء والنجاح الجماعي، رغم أن النصر في حد ذاته لا يغير الضغوط الاقتصادية أو يحل قضايا اجتماعية، لكنه يعطي شعورا رمزيا بأن الفريق الذي ينتمي إليه استطاع أن ينتصر على منافس آخر في ساحة يتابعها العالم أجمع. ولهذا السبب رأى علماء الاجتماع أن الرياضات الحديثة تؤدي في بعض الأحيان وظيفة كانت تؤديها «الطقوس الجماعية» في المجتمعات القديمة، من خلال إنتاج شعور مشترك بالانتماء والفخر. ولعل سر الشعبية العارمة لكرة القدم هو تحولها إلى لغة عالمية مشتركة تتجاوز الحدود واللغات والثقافات. فهو لا يوحد شعب أمة واحدة فحسب، بل يساهم في بناء جسور التواصل بين الشعوب، لدرجة أنه يبدو في بعض الأحيان أن المستطيل الأخضر أكثر قدرة على جمع الأمم من العديد من المنصات السياسية والدبلوماسية. لقد تحولت الرياضة، بالإضافة إلى دورها في خلق الانتماء والهوية، إلى قوة اقتصادية عالمية لا يقل تأثيرها الاقتصادي عن أبعادها الثقافية والاجتماعية. ومن هنا يطرح السؤال: متى تتحول رياضتنا من إدارة الأزمات اليومية إلى مشروع وطني طويل الأمد؟ فالبلاد بحاجة إلى استراتيجية شاملة تؤسس لنظام حديث وشفاف. كرة القدم ومسؤولية الخطاب في هذا السياق، يتطلب الوضع الحالي تحولاً حقيقياً في الرؤية والحوكمة والممارسة. ولا يقتصر هذا التحول على الجوانب التنظيمية والفنية فحسب، بل يشمل الخطاب العام المحيط بالرياضة. وتتراوح المداخلات والتصريحات بين ما هو مشرف ومحفز ويحظى بدعم تاريخي، وبين ما هو مؤسف ويسيء لصورة كرة القدم والذوق العام. وفي عصر الإعلام المفتوح، لم تعد هيبة الرياضة وحدها كافية لبناء المصداقية، إذ أصبحت الكلمة بحد ذاتها جزءاً من المسؤولية. وبهذا المعنى، فإن خسارة المنتخب الوطني هذه المرة لم تبدو مجرد هزيمة في مباراة، بل بدت للكثيرين بمثابة صدمة ضربت المجتمع بأكمله. فعندما تضيق مساحات النجاح الجماعي، تصبح الرموز الوطنية أثقل مما تستطيع تحمله، وتتحول نتائجها إلى مرآة تعكس آمال الناس ومخاوفهم. خيبة الأمل لم تكن بسبب النتائج وحدها، بل بسبب الشعور المتراكم الذي أوحت به بأننا نفقد شيئاً من قدرتنا على النهوض، وأننا نقف مرة أخرى عند نقطة تحول أجبرتنا على التساؤل والمراجعة. وكان تأثير الخسارة أكبر من حجمها الرياضي، لأنها لامست أسئلة أعمق تتعلق بالثقة والإنجاز والصورة التي نريدها لوطننا ولأنفسنا ولأجيالنا الصاعدة. كرة القدم هي قضية أمن قومي. الأمم لا تقاس بلحظة تعثر، ولا تختزل بخسارة صادمة. وما يشكل مستقبله ليس نتيجة مباراة، بل قدرته على مراجعة نفسه، والتعافي من وهم الإنجازات التاريخية، وتحويل فشل الحاضر إلى حافز لاستعادة أسباب النجاح. الفشل ليس قدرًا حتميًا، بل هو درس يجب تعلمه والبناء عليه. إن الأمم الحية معروفة بقدرتها على النهوض كلما تعثرت، وبإرادتها في تصحيح أخطائها قبل البحث عن المبررات. لكن المشهد أكثر تعقيدا مما يبدو، إذ يطرح الوضع الحالي عددا من الإشكاليات التي تتطلب منا التوقف عنده. فعندما تتقدم المصالح الشخصية أو الجماعية على المصلحة العامة، يصبح النجاح استثناءً وليس نتيجة طبيعية للعمل الجاد والتخطيط السليم. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن النهوض بالرياضة ليس مسؤولية اللاعبين أو المدربين وحدهم، وأن الرياضة لم تعد ترفاً أو نشاطاً ترفيهياً هامشياً، بل أصبحت قضية أمن قومي لأنها تتقاطع مع الصحة العامة والاقتصاد وصورة البلاد في العالم، فضلاً عن دورها الحاسم في الاستقرار الاجتماعي. ومن هذا المنطلق السيادي، لا يمكن تحصين هذا الأمن بأدوات تسيير الهواة، فالمأزق الأكبر يتجلى في سيطرة عقلية الارتجال على مفاصل قطاع يؤثر على ملايين الشباب، وهو ما يفسر حالة التذمر المستمر والشكوى من نظام نعيشه محدث على الورق، وعشوائيته في الواقع. عندما تعجز الهياكل عن التخطيط الاستراتيجي، وتتحول القرارات إلى ردود أفعال مرتجلة، لا يقتصر الفشل على المستطيل الأخضر، بل يتحول التوتر الرياضي وغياب العدالة إلى وقود يؤجج الفتن والتعصب والعنف على مدارج الطائرات وفي الشارع، ليصبح عبئا حقيقيا يهدد السلم الاجتماعي ومصداقية مؤسسات الدولة. ولا داعي أن أذكر أن العلم عندما يتحدث، فإنه لا يتحدث باسم فريق أو نتيجة أو لحظة عابرة، بل باسم وطن بأكمله، وباسم ذاكرة مشتركة وآمال معقودة على المستقبل. ومن ثم يصبح النصر أكثر من هدف، والخسارة أكثر من هزيمة، لأن ما على المحك ليس مجرد مباراة، بل صورة الأمة في عيون شعبها. *ضابط متقاعد في الحرس الوطني.