اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-15 15:46:00
بقلم فاتن بوشرارة – يعد الكتاب الجديد المتميز للكاتب والباحث فاخر الرويسي “نجوم الموسيقى والمسرح والسينما التونسية 1900-1956” الصادر عن دار النشر بتونس، إضافة قيمة للمكتبة التونسية، ومرجعا وثائقيا يجمع بين البحث التاريخي والمتعة السردية. فاخر الرويسي اسم معروف في الساحة الثقافية التونسية. وهو عضو في اتحاد الكتاب التونسيين، ومنخرط في المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة. كما شغل سابقا منصب الكاتب العام الجهوي لاتحاد الكتاب التونسيين بأريانة. وقد أثرى المكتبة الوطنية بعدد من الكتب المهمة، منها: «الجنرال فتحي زهير والوساطة المفقودة في خلاف بورقيبة اليوسفي» (2016)، «فتحية خيري: الفن والشعج» (2018)، و«مشاهير المطربين اليهود التونسيين» (2022). ومما زاد من قيمة ومكانة هذا العمل تقديمه من قبل أستاذ المسرح الكبير عز الدين المدني، وهو اختيار يعكس المكانة الفنية والعلمية التي يتمتع بها هذا العمل. لا يقتصر هذا الكتاب، المؤلف من 427 صفحة من الورق الرفيع، على تقديم سرد لسير فنانات عشن في فترة تاريخية محددة، بل يقدم عملاً بحثيًا متعمقًا يعتمد على جهد وثائقي استثنائي. واعتمد المؤلف على ما يقارب 180 صورة و70 نموذجاً لوثائق نادرة، إضافة إلى شهادات عائلية وشخصية، نقلها في مجملها ضماناً للأمانة التاريخية وتأكيداً للحقائق. ولتحقيق ذلك، تنقل الباحث بين عدد كبير من المؤسسات الأرشيفية والثقافية، منها الأرشيف الوطني التونسي، ومركز التوثيق الوطني، والمكتبة الوطنية، والمعهد الراشدي، ومركز الموسيقى العربية والمتوسطية “النجمة الزهراء”، والمعهد العالي للفنون المسرحية، وغيرها من المؤسسات التي مكنته من النفاذ إلى الصحف والمجلات والكتب والصور باللغتين العربية والفرنسية. ويطرح الكتاب سؤالا محوريا يشغل الباحثين في تاريخ المجتمع والثقافة: كيف تمكنت المرأة التونسية من اقتحام المجال الفني خلال الحقبة الاستعمارية الممتدة بين سنتي 1900 و1956؟ وهي فترة شهدت، من جهة، ولادة المسرح التونسي وبدايات السينما الوطنية، لكنها شهدت، من جهة أخرى، هيمنة الخطاب الاجتماعي المحافظ، وسيطرة الرؤية الذكورية على التدوين والتوثيق في مجالات الفن والثقافة. وفي الوقت الذي كان فيه الفن نفسه موضع شك وصعوبة ممارسته حتى بالنسبة للرجال، كان دخول المرأة إلى هذا العالم تحديا ومغامرة. ومن هنا تتضح قيمة هذا العمل. الكتابة عن الأسماء المشهورة أمر ممكن، لكن فاخر الرويسي اختار أن يغوص في أعماق الأرشيف لاستعادة أسماء كادت أن تبتلعه الذاكرة المنسية. أعادت إلى النور شخصيات فنية لا يعرفها اليوم إلا عدد قليل من المختصين، مثل عائشة بنت شك العسبان، أم باية، محرزية حب الملوك، وشقيقتها نسرية فراز، التي حملت هذا اللقب، كما يروي المؤلف، بسبب احمرار شفتيها، وغيرهن من النساء اللاتي ساهمن في خلق المشهد الفني التونسي. يندرج هذا الكتاب ضمن جهود الحفاظ على الذاكرة الجماعية، تلك الذاكرة التي تتأرجح دائمًا بين التذكر والنسيان. فهو يحفظ جزءا ثمينا من التراث الثقافي التونسي، ويعيد الاحترام لنضال المرأة التونسية، الذي لم يكن سياسيا فحسب، بل كان أيضا نضالا ثقافيا وفكريا واجتماعيا من أجل الحرية وكسر القيود المفروضة عليها. خصص المؤلف دراسته لثمانية عشر فنانة اختار أن يصفهن بـ”النجمات”. وهو وصف يحمل معنى جميلا. النجوم قد تحجبها الغيوم أو قد يختفي بريقها عن الأنظار، لكنها تبقى ثابتة في السماء. وتشترك هؤلاء النساء في خصائص مشتركة رغم اختلاف أصولهن وانتماءاتهن الاجتماعية والدينية. ومنهن نساء مسلمات مثل زهرة فايزة ودلاندا عبده وجميلة العرابي، ومنهن يهوديات مثل حبيبة مسيكا وهايدي تمزالي. وقد جمعهم جميعاً حب الفن، والإيمان بالحرية، وتأثير أمواج الإبداع القادمة من الشرق والغرب. كما تميز معظمهم بإجادتهم أكثر من مجال فني، إذ تفوقوا في الغناء والمسرح والسينما، أو في اثنين منهم على الأقل. ومن الجوانب الملفتة التي يكشف عنها الكتاب أيضًا الحضور المؤثر لما يمكن أن نطلق عليه “النخبة الذكورية المستنيرة”. كان المسرح التونسي في بداية القرن العشرين في حاجة ماسة إلى العنصر النسائي، فظهر رجال مثقفون آمنوا بدور المرأة في الفن، وساهموا في تشكيله وتأطيره. وعملوا على تعليمها اللغة العربية الفصحى، وتصحيح نطقها وإلقاءها، وتدريبها على الوقوف على السرج، بل واهتموا في بعض الأحيان بحمايتها وضمان عودتها إلى منزلها بعد انتهاء التدريب الليلي. ومن بينهم محمد المغيربي، وأحمد بوليمان، وحبيب المانع، ومحمد بورقيبة شقيق الرئيس الحبيب بورقيبة، وغيرهم. ويعكس ثراء المادة العلمية التي جمعها المؤلف العدد الكبير من الأعيان الذين ورد ذكرهم في الكتاب، والذي يبلغ نحو 872 اسما، منهم 704 رجال و168 امرأة، تونسيين وأجانب، ما يجعل هذا العمل أقرب إلى خريطة واسعة للحياة الثقافية والفنية في تونس خلال النصف الأول من القرن العشرين. ويأخذنا الكتاب أيضًا إلى عالم الفرق المسرحية الأولى، مثل جمعية الفنون، وجمعية الفروسية العربية، وجوقة الكميلي، ويعرّفنا على مؤسسيها، وأعمالهم الفنية، والمسرحيات التي قدموها لكبار الكتاب العالميين مثل شكسبير، وموليير، وفيكتور هوغو. ولا يقتصر الأمر على سرد السير الذاتية، بل يرصد أيضًا الأحداث العامة والخاصة، والتقاطعات بين مسارات الفنانين، والصعوبات والإنجازات التي عاشوها، والإخفاقات والنجاحات، ما يجعل هذه السير الذاتية متشابهة أحيانًا في بعض النقاط، ومختلفة في كثير من التفاصيل الأخرى. سيجد القارئ بين صفحات هذا الكتاب معلومات شيقة ونادرة؛ ومنهم التعرف على أول ممثلة سينمائية تونسية، والفنانين الذين ذكرهم الرئيس الحبيب بورقيبة في محاضرته الشهيرة عام 1973 لطلبة معهد الصحافة، والفنانة التي أثنى على جمالها وافتخر لأنها لعبت دور ابنها في مسرحية عام 1922. كما يكتشف القارئ قصة الفنانة التي تحول منزلها خلال الحرب العالمية الأولى إلى مركز سري لنشاط حركة “الشباب التونسي”، حيث كان يستخدم لتخزين وتوزيع المنشورات والصحف الوطنية . ويقرأ أيضًا قصة الوساطة الشجاعة التي قام بها الكاتب محمد المرزوقي والشاعر بيرم التونسي مع نقابة المهن الموسيقية في مصر بعد صدور قرار بمنع فنان تونسي من الغناء هناك. وانتهت هذه الوساطة بخضوع كوكب الشرق أم كلثوم، بصفتها نقيب الفنانين آنذاك، لامتحان رسمي لها مكنها من الحصول على ترخيص مزاولة النشاط الفني في القاهرة. ويروي الكتاب أيضا قصة الفنانة التونسية التي اشتهرت في عدد من الدول العربية والأوروبية، وفي باريس التقت بكل من بيكاسو وكوكو شانيل، حتى أن الأخيرة توقعت لها مستقبلا استثنائيا وقالت إنها ستجعل باريس حاضرة في شمال أفريقيا. ولن أخوض في تفاصيل هذا الكتاب الغني، حتى لا أحرمكم متعة اكتشافه بأنفسكم. وهو عمل أراد فاخر الرويسي من خلاله، كما يقول، مواصلة قصة لم تُروى بالكامل بعد، وتثمين خطوات جيل من النساء الرائدات اللواتي مهدن الطريق للفنانات اللاتي جاءن من بعدهن. فهنيئاً للمكتبة التونسية بهذا العمل الثمين، وهنيئاً لمؤلفها على هذا الجهد البحثي والتوثيقي المتميز. فاتن بوشرارة، باحثة في التراث – جامعة منوبة اقرأ المزيد “نجوم تونس في الموسيقى والمسرح والسينما” للكاتب والباحث فاخر الرويسي “نجوم تونس في الموسيقى والمسرح والسينما” للكاتب والباحث فاخر الرويسي كتاب جديد للكاتب والباحث المستقل فاخر الرويسي: “نجوم تونس في الموسيقى والمسرح والسينما” (الحلقة 2)



