اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-15 00:00:00
بقلم نور الدين المازني الخبير في الشؤون الدولية – تشكل الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين، ومحادثاته الرسمية مع نظيره الصيني شي جين بينغ، نقطة تحول استراتيجية بالغة الأهمية في هندسة العلاقات الدولية. وتأتي هذه القمة بين القوتين العظميين في وقت تجري فيه إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي، حيث تترقب عواصم القرار ما ستؤول إليه التفاهمات بين «التنين» الصيني و«العم سام». من “صدام الحضارات” إلى “المنافسة المنظمة” في خطابه أمام ترامب، حرص الرئيس الصيني على إنشاء إطار فلسفي وعملي للعلاقات الثنائية. وشدد على أن «المصالح المشتركة تفوق الخلافات»، داعياً إلى الشراكة بدلاً من التنافس، ومحذراً من أن المواجهة تعني خسارة حتمية للطرفين. ولاقى هذا الاقتراح صدى إيجابيا لدى ترامب الذي لم يخف إعجابه بالحفاوة الاستثنائية التي لقيها خلال زيارته لبكين، ووصف المناقشات بـ«الإيجابية والبناءة». ويشير هذا الرضا المتبادل إلى رغبة الطرفين في الانتقال من مربع الصراع التجاري والسياسي العشوائي إلى مربع «المنافسة المنظمة» وإدارة الأزمات من خلال الصفقات الكبرى وتغليب لغة المصالح الاقتصادية. تايوان: الخط الأحمر الصيني في وجه التسلح الأمريكي. ورغم أجواء التفاؤل، برزت على السطح قضايا سيادية ملتهبة، أبرزها ملف تايوان. ونقل الرئيس شي لترامب قلق بكين العميق بشأن دعم واشنطن المستمر للجزيرة وتزويدها بأحدث الترسانات العسكرية الأمريكية. واعتبرت الصين هذا التقارب بمثابة “لعب بالنار” من شأنه أن يجر العلاقات الثنائية إلى مرحلة خطيرة قد تهدد السلام العالمي، مشددة على أن وحدة الأراضي الصينية خط أحمر لا ينحني للغة الصفقات. معضلة إيران ومضيق هرمز: واشنطن تبحث عن ظهير صيني. أما المفاجأة التحليلية للقمة فكانت الملف الإيراني والقضايا الإقليمية. وعلى الرغم من التصريحات المتغطرسة التي أدلى بها ترامب قبيل مغادرته واشنطن، وادعائه بأنه «لا يحتاج إلى الصين لإنهاء الخلاف مع طهران»، فإن خلف الكواليس في بكين كشف عن واقع مختلف. وأولى الجانب الأميركي اهتماماً خاصاً بكسب دعم الصين لمواقفه، وتحديداً في مسألة تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز. ومن جانبها، التقطت الصين الرسالة بالاستخبارات الدبلوماسية؛ وجددت التزامها بحرية المرور في هذا الممر المائي الحيوي، لكنها أعقبت ذلك بعبارة ذات أهمية سياسية عميقة: “ضمان عدم عسكرة المضيق”. وتمثل هذه الصياغة، في العمق، معارضة صينية حازمة لأي عمل عسكري أحادي قد يتخذه ترامب، وتحذير من أن أي تهور في هذا الشريان النفطي سيضر بأمن الطاقة العالمي. التفاهمات المتوقعة بشأن الأزمة الإيرانية وتبعاتها الاقتصادية إن التفاهمات المتوقعة بين واشنطن وبكين تتجاوز مجرد لغة التطمينات العسكرية، لتلامس عصب الاقتصاد والتجارة الدولية، التي تكاد تصاب بالشلل نتيجة تداعيات هذه الأزمة الإقليمية المستمرة: • تأمين شريان الطاقة العالمي: يعتبر مضيق هرمز نقطة عبور لنحو 20% من إمدادات النفط العالمية وثلث الغاز الطبيعي المسال. والاتفاق الأميركي الصيني المنتظر على إبقاءها منطقة آمنة ومفتوحة هو صمام أمان لمنع «القفزات المجنونة» لأسعار الخام التي أثرت ارتداداتها على ميزانيات الدول دون استثناء. • الحد من التضخم وتكلفة الشحن: تسببت التوترات في الشرق الأوسط في السابق في زيادة تكلفة التأمين البحري وإعادة توجيه السفن التجارية. إن التفاهم بين القوتين حول تحييد الممرات التجارية، التي تتدفق من خلالها مئات المليارات من الدولارات سنويا بين الأسواق الآسيوية والغربية، يمنع حدوث تضخم جديد في أسعار السلع الأساسية، وهو ما تبحث عنه الأسواق العالمية للخروج من الركود. – معادلة النفط مقابل الاستقرار: تسعى واشنطن من خلال هذه التفاهمات إلى حث بكين على استخدام نفوذها الاقتصادي الضخم وعلاقاتها مع طهران لضبط النفس، مقابل تقديم تسهيلات تجارية أميركية للصين. وتعكس هذه المقايضة كيف تحولت الأزمات السياسية السيادية إلى أوراق في «دبلوماسية الصفقات الاقتصادية». أسئلة مفتوحة نحو المستقبل تثبت قمة بكين أن العالم لم يعد يُدار بالرغبات الأحادية؛ ترامب «البراغماتي» وجد في بكين نداً حقيقياً يتقن لغة المصالح ويعرف كيف يفرض شروطه السياسية المغلفة بوعود التعاون الاقتصادي. لكن هذه التفاهمات تفتح الباب أمام مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة. • هل تصمد «دبلوماسية الصفقة» المؤقتة في وجه لغم ملف تايوان الذي قد ينفجر في أي لحظة؟ • إلى أي مدى يمكن لطهران أن تلتزم بالتفاهمات التي تتم في غيابها وبما يتوافق مع مصالح القوتين العظميين؟ • والأهم من ذلك، هل تنجح قمة بكين الحالية في ترسيخ شرعية دولية جديدة تقوم على مبدأ “المنافسة المنظمة”، أم أنها مجرد هدنة تكتيكية تسبق جولة جديدة من الحرب الباردة غير المعلنة؟ نور الدين المازني خبير في الشؤون الدولية



