اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-05 09:39:00
يثير اسم الحبيب بورقيبة، بعد عقود من الاستقلال، جدلا لا نهاية له. يرى البعض أنه مؤسس الدولة التونسية الحديثة، والبعض الآخر يرفض حتى وصفه بالزعيم. حتى أن البعض يعتبره “خليقة فرنسية”. وبين التمجيد المطلق والرفض المطلق تضيع الحقيقة التاريخية. العقيد محسن بن عيسى * وصف بورقيبة بالزعيم ليس حكما أخلاقيا، ولا شهادة على عصمته من الخطأ، بل هو وصف لدوره التاريخي. القيادة في التاريخ والسياسة تقاس بمدى التأثير في مسيرة الأمة، والقدرة على قيادة مرحلة محورية، وترك المؤسسات التي تبقى بعد رحيل صاحبها. يمكن أن نختلف مع بورقيبة في خياراته السياسية، وننتقد نظام الحزب الواحد، والتضييق على المعارضة، وتركيز السلطة. هذه انتقادات مشروعة، بل وضرورية لفهم التاريخ. لكن هل هذا يبرر إنكار دوره في قيادة معركة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية؟ الجواب الموضوعي هو: لا. قادت دولة الاستقلال في عهده مشروعا واسعا لبناء المؤسسات: إدارة وطنية، ومدرسة عمومية فتحت أبوابها لأطفال مختلف المناطق، وجامعة تونسية، ونظام صحة عمومية، وإصلاحات اجتماعية غيرت وجه المجتمع. وقد استفاد ملايين التونسيين من هذه المؤسسات، بما في ذلك العديد من المثقفين الذين ينتقدون بورقيبة اليوم. الاعتراف بالإنجازات كما بالأخطاء، ولا تناقض في ذلك. يحق لأي مواطن أن ينتقد شخصية تاريخية، حتى لو استفاد من السياسات التي اتبعت في عهده. لكن العدالة تتطلب الاعتراف بالإنجازات وكذلك الاعتراف بالأخطاء. أما إنكار كل ما تم إنجازه، أو اختزال تجربة برمتها في شعار مثل «كانت صناعة فرنسية»، فهذا يحتاج إلى أدلة تاريخية قوية، وليس إلى مواقف أيديولوجية. ومن ناحية أخرى، فإن الاعتراف بمكانة بورقيبة لا يعني الاستخفاف برموز الحركة الوطنية الأخرى. فرحات حشاد والهادي شاكر وآخرون قدموا تضحيات جسيمة، ومنهم من دفع حياته ثمناً لنضالهم. لقد ساهموا جميعا، كل من موقعه، في عملية التحرر الوطني. وليس من العدل أن يُمحى أحدهما ليبرز الآخر. إن الأمم المؤسسة لا تبني ذاكرتها على عبادة الناس، ولا على تدميرهم، بل على قراءة نقدية عادلة تعترف بالإنجاز كما بالفشل. التاريخ ليس محكمة لإصدار الأحكام النهائية، بل هو مدرسة لفهم الماضي واستخلاص العبر. وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس: “هل كان بورقيبة زعيما أم لا؟” بل: «هل نستطيع أن نقرأ تاريخنا بعيداً عن الأهواء والانقسامات؟» إن إنصاف التاريخ لا يكون بالتمجيد الأعمى، ولا بالتحريف المتعمد، بل بالرجوع إلى الحقائق. وإذا كان من حق الأجيال الجديدة أن تناقش إرث الحبيب بورقيبة، فإن من واجبها أيضا عدم إنكار حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أنه كان من أبرز صناع تاريخ تونس الحديث، وستظل مكانته محل دراسة ومناقشة، وليس مكانا للمحو أو الإنكار. *متقاعد من الحرس الوطني – مسار الدكتوراه – الماجستير في العلوم السياسية.



