اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-30 12:49:00
في روايته «يا قلبي» الصادرة عام 2025 عن دار نانا للنشر والتوزيع، يختار الروائي التونسي أحمد حسين بن طالب الابتعاد عن مسارات السرد التقليدية التي تتمحور حول بطل واحد أو حبكة متصاعدة، ليقدم عملا أقرب إلى الشهادة الجماعية التي تنقل نبض المجتمع التونسي وهمومه اليومية. جمال قطالة لا يسعى الكاتب إلى خلق بطل استثنائي، بل يعطي الصوت لشخصيات عادية تواجه الفقد والهشاشة الاجتماعية والغربة والحنين، في نص تتقاطع فيه المصائر الفردية لتشكل صورة أوسع للإنسان التونسي في زمن التحولات. تعتمد الرواية على أصوات متعددة، وهو خيار فني يمنح السرد حيوية ويتيح للقارئ مقاربة تجارب مختلفة، يجمعها شعور بالبحث عن الكرامة وسط واقع اقتصادي واجتماعي معقد. ومن خلال هذه الأصوات يرسم الكاتب ملامح مجتمع يعيش مع تناقضات الحاضر، دون الوقوع في المباشرة أو الخطاب السياسي. ومن أبرز العناصر التي تميز الرواية اختيارها للكتابة كاملة باللهجة التونسية. ولا يبدو هذا الاختيار مجرد رغبة في كسر القاعدة، بل هو جزء من المشروع السردي نفسه، إذ تمنح اللغة الشخصيات مصداقيتها وتعيد إنتاج تفاصيل الحياة اليومية كما تعيشها في الشارع والبيت والمقهى ومكان العمل. كقارئ جزائري عاش سابقا في تونس، لا أدعي أنني ملم بكل خصوصيات اللهجة التونسية، لكن هذه القراءة أتاحت لي اكتشاف ثراء هذه اللغة، وما تحتويه من تعابير نابضة بالحياة قادرة على نقل المشاعر الإنسانية بقدر كبير من العفوية والصدق. وكلما زاد التصاق النص ببيئته المحلية، زادت قدرته على مخاطبة القارئ العربي أينما كان. تتناول الرواية قضايا الهجرة والاغتراب، ليس كطريق للنجاح، بل كتجربة إنسانية معقدة، تختلط فيها الأحلام بخيبات الواقع. كما يتطرق إلى قضايا الأسرة والعلاقات الإنسانية والبحث المستمر عن مكان آمن في عالم سريع التغير. لا يقدم أحمد حسين بن طالب أحكاما جاهزة أو حلولا مباشرة، بل يترك شخصياته تتحدث بلغتها الخاصة، مما يمنح القارئ مساحة للتأمل في الأسئلة التي تطرحها الرواية أكثر مما يدفعه إلى تبني الإجابات النهائية. قوة «يا من جرحت قلبي» تكمن في صدقها وقدرتها على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى مادة أدبية بعيدة عن الزخرفة اللغوية أو المبالغة الدرامية. إنها رواية تنتمي إلى الأدب الاجتماعي، لكنها تتجاوز حدود المكان، لأن القضايا التي تثيرها لا تقتصر على تونس، بل تعكس هموم يعيشها الناس في مختلف المجتمعات العربية. لقد نجح أحمد حسين بن طالب في جعل اللهجة العامية التونسية أداة سردية كاملة، وفي إثبات أن الأدب لا يقاس باللغة التي يكتب بها، بل بقدرته على ملامسة الإنسان وكشف الأسئلة والآلام والآمال المخبأة في أعماقه.

