تونس – 20 مارس: عيد كل التونسيين، فلنحتفل به!

اخبار تونس19 مارس 2026آخر تحديث :
تونس – 20 مارس: عيد كل التونسيين، فلنحتفل به!

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-19 11:07:00

يجب على التونسيين أن يحتفلوا بذكرى الاستقلال تحت مظلة الوطنية. وعليهم أيضاً أن يتخلوا عن إحياء الفتنة بكل أشكالها من أجل نبش ما يفرق، وهو خطأ فادح لم يختف تماماً من الجدل وله مناصرون عنيدون يصرون على تصفية حسابات كامنة في النفوس وقادرة على تأجيج الفرقة. ولن يكون ذلك ممكنا إلا في ظل قبول الاختلاف وتعزيز الانتماء الوطني. سعيد بحيرة *الاستقلال حدث كبير في تاريخ الشعوب لأنه يرمز إلى الحرية واستعادة الكرامة التي فقدها الاستعمار، ولأنه تتويج لمسيرة كفاح ومقاومة خاضها الشعب بمختلف السبل والوسائل، وقدم خلالها تضحيات لا تقدر بثمن لها شواهد ورموز في المقابر والمواقع والأغاني والأدب والفنون وغيرها من التعبيرات. لقد أنتجت المواجهة مع الاحتلال قادة سياسيين ودعاة وشعراء وأبطالاً استثنائيين، ظلوا خالدين في الذاكرة واستحقوا التكريم وتمجدت أدوارهم. ولا يتفوق أحد على آخر إلا بقدر مساهمته في معركة التحرير الوطني، وكل أشكال النضال تستحق الثناء والذكر، فالأنهار تغذيها الجداول، والجماهير تشكلها الأفراد. وحملت بطاقة عضوية أول حزب سياسي تونسي (1920) عبارة قرآنية معبرة: “واعتصموا بحبل الله جميعا”. وقد احتفظ بها الحزب الدستوري الجديد (1934) وأضاف إليها كلمة “ولا تفرقوا”. أما بطاقة العضوية لأول تنظيم نقابي تونسي أسسه محمد علي الحامي (1924) فتضمنت رسما لتونسي ملتف برداء يكسر الأغلال التي كانت مكبلة. وكان الشاعر أبو القاسم الشابي يخاطب الناس ويوقظ عزائمهم وإصرارهم الذي يستطيع أن يتحدى ما كتب وقدره. أما الطاهر الحداد، الذي لم يدرس العلوم السياسية في الجامعات الغربية، فقد كسر «محظور» انتقاد الفكر الديني، ودافع عن المواطنة التي تساوي الرجل والمرأة في إطار التجذير. وتمكنت القوى السياسية بمختلف اتجاهاتها من حشد الفلاح والعامل والشباب والمرأة ورجل الدين لتجاوز حاجز الخوف والاستسلام. وانخرطت كافة الفئات في معركة التحرير الوطني، وجسد مؤتمر ليلة القدر عام 1946 وحدة القوى لهزيمة الاستعمار. نهاية الرواية الوطنية التي توحد كل التونسيين، وليس هناك رومانسية في هذا الخطاب بقدر ما هناك قراءة تحاول تجاوز الانقسام والانحياز لحزب أو فصيل على آخر، وهو أمر من شأنه أن يقوض تلك الوحدة كلما اقترب التونسيون من الاستقلال، حتى أصبحوا على حافة حرب أهلية. إلا أن البلاد تحررت بالكامل وتخلصت من الوجود الأجنبي بشكل كامل عام 1964 مع الجلاء الزراعي. ولم يكن ذلك ممكنا لولا المقاومة المدنية العفوية منذ وطأت أقدام الجيش الفرنسي تونس في أبريل 1881. ودارت معارك في الشمال ثم الوسط ثم الجنوب، وأدرك الفرنسيون أنهم يواجهون مقاومة الشعب وليس جيش الباي الذي انسحب ولم يطلق رصاصة واحدة. وتدريجياً، حملت النخب الشعلة لتأطير أشكال المقاومة وتأسيس أطرها، من صحافة وجمعيات ومنظمات وأحزاب، تباينت أفكارها ووسائلها، لكنها تلاقت في نهاية المطاف حول هدف التحرر والخلاص من الاستعمار. مكنتها نضالاتها من بلورة الانتماء الوطني الذي استحق التضحيات والشهداء، ولم يخلو أي طرف من تونس من دمائهم. هكذا يبدو لي طريق التحرر، بغض النظر عن الاختلافات الأيديولوجية والمواقف الظرفية. هكذا يمكننا بناء رواية وطنية تجمع كل التونسيين دون التخلي عن خياراتهم الفكرية ومقارباتهم السياسية المتنوعة. إنهم مواطنون شركاء في الوطن قبل أن يكونوا قبائل سياسية متحاربة. وهذا هو الوضع الذي يبرز في أوقات الأزمات والتحولات، ولا بد من مواجهته من أجل الحفاظ على ما بنيناه معا. ويجب إحياء ذكرى الاستقلال تحت مظلة الوطنية قبل أن يصل الشك إلى مستوى اليقين. كما لا بد من التخلي عن إحياء الفتنة بكل أشكالها من أجل نبش ما يفرق، وهو خطأ فادح لم يختف تماما من النقاش وله مناصرون عنيدون يصرون على تصفية حسابات كامنة في النفوس وقادرة على تأجيج الفرقة. ولن يكون ذلك ممكنا إلا في ظل قبول الاختلاف وتعزيز الانتماء الوطني. ولم يعش في تونس من خانها، ولم يسكن فيها من لم ينضم إليها. *أستاذ جامعي.