اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-02-14 18:48:23
تمثل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمصر بعد غياب دام نحو 11 عاما، خطوة لتأكيد ثوابت السياسة الإقليمية المصرية. وهي ثوابت تجعل الأطراف الخارجية المنخرطة في تحالفات معادية وهيئات سياسية مشبوهة تؤدي إلى العداء مع القاهرة نتيجة مواقف ملتوية ضد أمن مصر القومي.
ولذلك فإن المنعطف الأخير لأردوغان يأتي ضمن خطواته المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات لاستعادة العلاقات المصرية التركية وتحسين أوضاعها.
ومرة أخرى تعكس زيارة أردوغان مكانة مصر كدولة مركزية في محيطها الإقليمي دون تردد أو تراجع في لحظة استقرار، فيما يعود أردوغان ويراجع موقفه الذي أحدث تنافسا ثم حسما لأكثر من عقد من الزمن.
ولذلك، فإن القاهرة أمام تنازلات متعددة لأنقرة، تتمثل في تقليص تواجد جماعة “الإخوان المسلمين” التي وفرت لهم ملاذات آمنة في تركيا، وتقييد حركة بعضهم، وتحديداً أنشطتهم الهجومية على مصر. السياسات المحلية والجهوية، تؤكد نفس الأهداف في ذهن الدولة، وهي نبذ المكونات المشبوهة ذات المرجعيات. بخلاف القومية، إنهاء أي صراع من شأنه أن يقوض فعاليتها الجيواستراتيجية.
خصومة أردوغان وتحالفه مع “الإخوان”
الخصومة التي شنها أردوغان ضد النظام في مصر جاءت نتيجة تحالفه مع الإخوان، وهجومه المستمر على النظام، والذي جاء بدعم شعبي في 3 يوليو 2013، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، و وتوفير منصات تلفزيونية وصحفية داعمة للإخوان لشن حملات سلبية.
ومع عقد “الربيع العربي”، والتحولات المفاجئة التي شهدتها المنطقة بعد الثورات التي أنهت حكم نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا، ثم بن علي في تونس، ومبارك في مصر، سرعان ما أصبح الاستقرار حليفاً لمصر مع الغرب. مكانة الدولة وأجهزتها ومؤسساتها التي لا ترتبط بأي نظام، وتحديداً مؤسسة الجيش بإرثها. وطنيا وشعبيا، رغم اصطفافه دائما وتاريخيا مع مطالب الشعب، كما حدث في ثورة 25 يناير ثم ما حدث في الثورة الثانية ضد حكم الإخوان المسلمين في 30 يونيو 2013.
ولم يدرك أردوغان أن مواقفه ضد السياسات المصرية في ليبيا مثلا، والتي واجهها بقوة عندما حددها الرئيس السيسي، أو بالأحرى هدد تركيا عندما وصفت الهجوم على الجفرة وسرت بـ”الخط الأحمر”، الواقع السياسي والاجتماعي مصر أنها لن تسمح بالتحرش في أراضيها الجيوستراتيجية أو يؤثر على نقاطها المتاخمة للحدود والتي تدخل ضمن أهدافها الوطنية وامتدادات أمنها الحيوي. ولم يكن وجود السيسي بين جنوده في قاعدة جوية عسكرية بغرب مصر وبالقرب من ليبيا سوى رسالة عسكرية باستعداده التام للتدخل العسكري.
كما أن هجوم أردوغان على مصر على خلفية دعم الإخوان هو صدام مع المدنيين والقوى الاجتماعية، وليس مع النظام. ولذلك فإن عودة أردوغان إلى مصر ولقائه بالسيسي (وليس العكس) دليل على صوابه السياسي والإقليمي، وفعالية الدور الخارجي المصري ومبادئه.
ملف القضية الفلسطينية
ويمكن القول إن هذه الزيارة ليست مفاجأة، سواء على مستوى التوقيت أو السياق السياسي وأهمية كل منهما. إن إخفاقات أردوغان وتراجع دوره في ملفات مهمة، مثل القضية الفلسطينية بعد أحداث غزة، تؤكد ضرورة التنسيق مع مصر التي تخطو خطوات مهمة في خلق مقاربة سياسية للحل، وبناء توافقات مهمة بين الطرفين. الفصائل الفلسطينية وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة.
هذا فضلاً عن انفتاح القاهرة (خلافاً لتركيا التي تتعامل مع حركة حماس) على كافة الأطراف وقدرتها على التحرك بين كل طرف والوصول إلى صيغة تفاهم، بما في ذلك السلطة الفلسطينية بالطبع.
ويعد فشل الاعتماد الكامل على جماعة الإخوان والإسلام السياسي في المنطقة، التي شهدت زخما كاذبا بعد «الربيع العربي» وخسارتها لحاضنتها المجتمعية في المنطقة، أحد المحفزات السياقية في هذه العودة التركية إلى القاهرة.
وفي هذا الفضاء سبق أن أشرت إلى أن مشهد العلاقة بين تركيا ورعايتها للإسلام السياسي أصبح عبئا وخسارة تقوض مكانة أنقرة الجيوسياسية، ومن الواضح أن القضية الفلسطينية التي تناور طهران مثلها الأولى من خلال ورقة الدين وتوظيف الحركات الإسلامية في إطار أهدافها السياسية والإقليمية، ولم تعد للرئيس التركي. رجب طيب أردوغان كما كان من قبل.
ومع اندلاع «طوفان الأقصى»، بدا أن دور أردوغان في الوساطة ضعيف ومحدود، فيما قامت مصر وقطر بمهام المصالحة بين حركة «حماس» وإسرائيل. ثم كان استهداف قادة حماس في الخارج، بما في ذلك لبنان، بمثابة رسالة تحذير لتركيا.
تراجع فرص الإسلام السياسي
ومع محاولة تركيا الأخيرة التقارب مع مصر، وهي ليست المرة الأولى، إلا أن زيارة أردوغان الحالية لمصر تجعل هناك انفراجة جدية في ظل المشهد الإقليمي، مما يجعل فرص الإسلام السياسي في تركيا ضعيفة وتختفي. بل من المتوقع أن تبدأ قيود كثيرة، كما حدث في الماضي عندما بدأت أنقرة مع القاهرة ما عرف بالمباحثات الاستكشافية قبل نحو عامين، والتي أسفرت عن إبلاغ القنوات المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين للحد من التغطية السياسية، ومخاطبة المصريين. الشؤون السياسية، ويقتصرون على الشؤون الثقافية والاجتماعية، ويتوقفون عن الهجوم واللوم.
ويأخذ أردوغان بعين الاعتبار الغاز في شرق المتوسط، مما يؤكد ضرورة إعادة العلاقات بدرجة أو بأخرى، وإنهاء الخصومة، وتقليص الصراع مع مصر.
ومن هنا، تستعيد القاهرة إلى أقصى حد نشاطها الإقليمي المركزي في الملف الفلسطيني، وتنشر رؤيتها الواسعة التي تضمن السلام بعيداً عن الاستغلال العملي لموجودات حزب أو حاكم يحلم بـ«الخلافة» و«قيادة دينية مسيسة». “.
وهنا كان من المنطقي أن يعلن المتحدث باسم الرئاسة المصرية أن من بين القضايا التي تم بحثها في جدول أعمال الزيارة وقف إطلاق النار في غزة وتقديم المساعدات الإنسانية لسكان القطاع.
كما يأخذ أردوغان بعين الاعتبار الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، مما يؤكد ضرورة إعادة العلاقات بدرجة أو بأخرى، وإنهاء التناحر، وتقليص الصراع، خاصة وأن القاهرة نجحت في تنفيذ سياسات في هذا الجانب جعلت من تركيا دولة. منبوذة وتواجه مصالح ضائعة وفرص ضائعة، في حين تحترق أطرافها بهذه الثروات أو تتجمد بدلا من أن تشعر بالدفء لأن لها النصيب المحتمل.
غاز متوسط
وكانت مصر وإسرائيل قد نجحتا في إطلاق منتدى إقليمي للغاز في شرق المتوسط في القاهرة عام 2019، واجتمع في هذا المنتدى نحو سبعة وزراء طاقة من الأردن وإيطاليا وقبرص واليونان. واعتبر وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز المنتدى خطوة مهمة ليس فقط «على المستوى المالي والثروي، بل أيضا «له أهمية جيوسياسية ودبلوماسية».

وهنا يقول المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية إن إيجاد صيغة تفاهم لإدارة القضايا الإشكالية (ليبيا – شرق المتوسط) يعكس قرار الارتقاء بالعلاقات الدبلوماسية، ووعي البلدين بموقعهما الإقليمي وإمكانية توظيفهما. وذلك من خلال التشاور وإدارة الخلافات والتوافقات، وليس الصراع، واستغلال نفوذهم السياسي والاقتصادي لتعزيز السلام. الاستقرار الإقليمي وتبريد مناطق الاحتراق سينعكس إيجاباً على المنطقة بشكل عام.
إلا أن المستوى الحالي للعلاقات بين البلدين يضع عدداً من القضايا الإقليمية أمام صناع القرار لإيجاد صيغة تفاهم تضمن فهم كل طرف لمصالح الطرف الآخر، وإدارة تصوراتهم المختلفة تجاه بعض القضايا الإقليمية المهمة مثل مثل ليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط.
أما موضوع الثروة الغازية في البحر المتوسط فهو المحرك الأساسي لتركيا نحو استعادة العلاقات مع القاهرة. وأدركت أنقرة أن الهدوء هو السبيل الوحيد لاختراق شبكة التعاون الإقليمي التي انبثقت عما يسمى بالشراكات الثلاثية (مصر-قبرص-اليونان) و(قبرص-اليونان). (إسرائيل) وكسر الاصطفاف السياسي ضدها داخل منظمة غاز شرق المتوسط، إذ تتيح المصالحة الفرصة لدول حوض شرق المتوسط للدخول في مفاوضات جماعية، وهي خطوة حاسمة نحو تسوية خلافاتها.
سياسة مصر دفاعية وتحمي مرتكزاتها ومصالحها الجيواستراتيجية حتى النهاية دون تنازلات أو حتى قبول للضغوط.
كما تطمح أنقرة إلى الحصول على دعم مصري لانضمامها إلى منتدى غاز شرق المتوسط. كما تعرب تركيا عن اهتمامها بتوقيع معاهدة ثنائية لترسيم الحدود البحرية مع مصر. وبحسب تصريحات دبلوماسيين مصريين لصحيفة الأهرام المحلية، فإن مسألة ترسيم الحدود البحرية ظلت على طاولة المحادثات الفنية منذ الإعلان عن الاتفاق. ومباحثات رفيعة المستوى بين البلدين في مايو 2021، لكن لم يتم وضعها على جدول أعمال اللقاء القصير بين السيسي وأردوغان في الدوحة.
لكن في جميع الأحوال، فإن القاهرة لن تتخلى عن استكمال أي ترسيم للحدود وفقاً للمعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وبما لا يتعارض مع مصالح شركائها في المنطقة. وسبق أن رفضت مقترحا تركيا لترسيم الحدود البحرية بدعوى منحها منطقة اقتصادية أكبر من تلك التي توفرها اتفاقية ترسيم الحدود مع اليونان. وهذا يعني أن المصالحة لن تغير معادلة التوازن القائمة في شرق المتوسط.
وبشكل عام، فإن عبد الفتاح السيسي يحسب خطواته الخارجية بعناية، ولا يتنازل عن عدد من الاعتبارات الإستراتيجية في عقلية العقل السياسي المصري الممتدة لعقود من الزمن منذ تنصيب الجمهورية الأولى عام 1952، المتمثلة في الرفض الصدامات أو عسكرة السياسة الخارجية، والبحث عن القواسم المشتركة، وبناء سياسة تعاونية وتوافقية مع دول المنطقة. وعدم البدء بسياسة العدوان أو الدخول في منافسة. سياسة مصر دفاعية وتحمي مرتكزاتها ومصالحها الجيواستراتيجية حتى النهاية دون تنازلات أو حتى قبول للضغوط. إدارة الملفات الإقليمية تكون من خلال مركزية الدولة المصرية، التي لها أبعاد محورية في المنطقة والعالم، مما يجعل الأدوار والمسارات متوازنة.


