اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-16 12:18:00
وفي الرقة، لا يمكن قراءة التعيينات منذ تحرير المدينة وانسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في 18 كانون الثاني/يناير 2026، وما رافقها من تعيينات إدارية، على أنها مجرد إجراءات عابرة، بل مؤشر كثيف على خلل معقد في بنية الإدارة وعلاقتها بالمجتمع. وعندما تتوزع مناصب القرار والمناصب الخدمية على الكوادر غير المحلية -من المحافظ إلى الأمن ودائرة التعاون الدولي ومديرية الشؤون الاجتماعية والعمل والتنمية الإدارية المسؤولة عن رفع قدرات موظفي الحكومة والشؤون التنظيمية والثقافة والصندوق السيادي والدفاع المدني والإعلام والنقل وصولاً إلى مؤسسة المياه- فإن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل يمتد إلى مناصب محورية مثل النائب العام والأمن الداخلي والأمانة العامة للمحافظة ومساعد المحافظ. ومن هنا يبرز سؤال مهم: لماذا لم يتم تعيين أهل الرقة؟ فهل هناك سبب اجتماعي يتجاوز مسألة التعيينات من الأعلى؟ وفي الرقة، تتشكل ظاهرة لافتة ومتوسعة، تتمثل في عزوف شريحة كبيرة من أهالي المدينة عن التقدم لشغل مناصب حكومية وإدارية، وهو عزوف لا يمكن فصله عن سياق اجتماعي ضاغط. ويمكن الاستشهاد بالمثل الشعبي «ناي الحي لا يغني» كمقدمة لهذه الحالة، وإن كان يعبر هنا عن ظاهرة تتجاوز حدود الحكمة الشعبية إلى السلوك الاجتماعي المكرس. ولم تعد المشكلة تقتصر على سلطة تعين موظفين من خارج المحافظة، بل في بيئة اجتماعية بدأت تخيف أبناءها من الاقتراب من مناصب المسؤولية. بيئة تنقسم مواقفها إلى ثلاثة أنواع: إما التشكيك في هوية مقدم الطلب وانتمائه الثوري، أو النظر إليه من منظور الثقل العشائري ومنح الأفضلية على هذا الأساس، أو الطعن في أهليته بحجة أن قيده المدني مسجل في مدينة أخرى رغم أنه من سكان الرقة. وهي في كل ذلك لا تكتفي بقلة التقدير، بل تقابل من يحاول التقدم بسيل من الشكوك والاستكشاف ونبش الماضي، وكأن المنصب تهمة يجب الدفاع عنها، وليس مسؤولية السعي إليها. وفي مثل هذا المناخ يصبح التردد سمة عامة، حتى لو لم يكن له ما يبرره. تدرك الكفاءات أن تكلفة القبول اجتماعيا ونفسيا قد تفوق تكلفة الرفض. إلا أن هذا التفسير، على أهميته، لا يكفي وحده. لا يمكن فصل المشهد الإداري في الرقة عن بنيته الأوسع. ولا تزال بنية مؤسسات الدولة تعتمد، إلى حد كبير، على كوادر تعود إلى زمن النظام السابق، ومن ثم إلى فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وخاصة في القطاعين الخدمي والإداري. أما على مستوى المناصب القيادية فأغلبها كما ذكرنا من خارج المحافظة. وفي قلب هذا الواقع الإداري المتأزم، تبرز مسألة ميزان القوى كعامل حاسم في تفسير ما يجري. ويميل مركز صنع القرار التنفيذي في الرقة إلى التمركز بشكل كبير في يد المحافظ، في ظل غياب قوى محلية قادرة على خلق الموازنة أو التأثير في مسار قراراته. كما يلفت الانتباه إلى الحضور المحدود أو النادر لشخصيات الخط الأول المحسوبة على البنية التحتية لهيئة تحرير الشام ضمن البنية الإدارية والأمنية في المدينة، على عكس ما هو موجود -بدرجات متفاوتة- في مناطق أخرى من سوريا. ولا يمكن النظر إلى هذا الغياب باعتباره تفصيلاً تنظيمياً بحتاً، بل كعنصر يعيد تشكيل بنية السلطة المحلية، ويمنح الإدارة القائمة هامشاً أوسع للحركة دون شراكات أو توازنات تفرض عليها قيوداً معقدة. إضافة إلى ذلك، فإن ندرة الكوادر المتنافسة على منصب المحافظ من أهالي الرقة ضمن البنية الصلبة لهيئة تحرير الشام نفسها، ساهمت في تعزيز هذا النمط من المركزية، ومنح صانع القرار هامشاً أوسع في إدارة ملف التعيينات وتوزيع المناصب الإدارية، في ظل غياب توازن داخلي قادر على خلق منافسة فعلية ضمن بنية السلطة المحلية. ولا يمكن فصل هذا النمط من تركيز عملية صنع القرار عن طبيعة منصب الحاكم ضمن شبكة السلطة الأوسع. ويُنظر إليه على أنه جزء من الدائرة الضيقة والمقربة من الرئيس السوري أحمد الشرع، بحكم عمله السابق كرفيق له ومعرفته به منذ فترة طويلة، ما يجعله أقرب إلى “الرفيق” ضمن هذا المسار العسكري والسياسي. وهذا القرب من شأنه أن يفسر، جزئيا، المستوى العالي من المركزية في إدارة التعيينات، كامتداد للثقة المباشرة، وليس نتاج التوازنات المحلية أو الاعتبارات التمثيلية. وفي ظل هذه البنية المركزة للقرار، لا يبدو أن المشكلة مرتبطة بنقص الكوادر بقدر ما ترتبط بظروف أعمق وأكثر تعقيدا. تمتلك الرقة، كغيرها من المدن السورية، مخزوناً كبيراً من الكفاءات المتعلمة، لكن هذا المخزون تعرض عبر مراحل متتالية من السيطرة -من قبل نظام الأسد وداعش وقوات سوريا الديمقراطية- لعمليات استنزاف متعددة، بما في ذلك التهجير والإقصاء والتهميش والتشرذم، وهيمن عليها إقصاء الكوادر المحلية من مناصب صنع القرار. اليوم، ونتيجة لهذه الفظائع، أصبحت الكثير من اختصاصات المدينة خارج المدينة أو خارج البلاد، في حين تم تحييد من بقي داخلها لصالح اعتبارات أخرى، في مقدمتها الولاء والارتباط بالناس من الصف الأول. وفي سياق يعزز هذا الطرح، برزت مؤشرات عملية على نهج الإقصاء عن المركز، خلال التحضيرات لانتخابات مجلس الشعب الأخيرة في الرقة. وأثار إعلان القائمة الأولية للمجمع الانتخابي موجة احتجاجات من الناشطين المحليين، على خلفية ما وصفوه بخلل في آليات الاختيار، يتمثل بإدراج أسماء شغلت مراكز متقدمة خلال المراحل السابقة، وكان بعضها محسوباً على أنظمة قسد أو النظام السابق، مقابل إقصاء واضح وصريح لشريحة واسعة من أبناء الثورة والحراك المدني. ولا يقتصر هذا الجدل على التفاصيل الإجرائية، بل يعكس مشكلة أعمق تتعلق بمعايير الأهلية ومن له الحق في الدخول في العملية السياسية أصلا. إن إقصاء الفاعلين من أبناء الثورة -ولو جزئياً- يقوض الثقة في سلامة المسار، ويطرح تساؤلات حول مدى انسجام الخطاب الرسمي مع التطبيق العملي، لا سيما عند مقارنته بإدراج شخصيات مرتبطة بنظام الأسد أو داعش أو قسد. وبهذا المعنى فإن التعيينات – ولا حتى المسارات التمثيلية – لا تعكس أزمة كفاءة بقدر ما تعكس أزمة ثقة. تميل السلطة إلى اختيار «الولاء» على حساب «الأكثر كفاءة»، وهي بطبيعة الحال لا تبحث عن الخبرة بقدر ما تبحث عن السيطرة. ويفقد المجتمع الثقة في جدوى المشاركة، أو يخشى تكلفة المشاركة، ويساهم – بقصد أو بغير قصد – في إعادة إنتاج نمط الإدارة من الأعلى. وستكون النتيجة حتماً دائرة مغلقة وفارغة في الوقت نفسه، سلطة تستورد المسؤولين لأنها تبحث عن السيطرة، ويسهل عملها انسحاب الخبرات المحلية من المشاركة، ومجتمع يضغط على شعبه ويدفعهم إلى الانسحاب، ومن ثم يلوم السلطة على غيابهم! ولا يتوقف تأثير هذه الدائرة عند حدود الإدارة، بل يمتد إلى إضعاف المجتمع نفسه. إن غياب أبناء المدينة عن مراكز صنع القرار لا يشكل مجرد خلل إداري، بل يفهم على أنه مؤشر على عدم الرغبة في تمكين المجتمع المحلي من إدارة شؤونه. ومع تراكم هذا الشعور، يقوى الشعور بالظلم والتهميش، وتتسع فجوة الثقة بين الشعب والحكومة، مما يضعف أي محاولة لبناء استقرار حقيقي ومستدام. في النهاية، مشكلة الرقة متعددة الطبقات. جزء منه نتيجة إفراغ المدينة من كوادرها خلال سنوات الحرب، وجزء منه نتيجة السياسات التي تعطي الأولوية للولاء على الكفاءة. أما الجزء الأعمق فيكمن في غياب الإرادة الواضحة لإشراك أبناء المحافظة في إدارة شؤونهم، وفي بيئة اجتماعية تستمر في معاقبة من يحاول التقدم بدلاً من حمايتهم. وتشجيعه. لذا فإن كسر هذه الحلقة هو مسؤولية جميع أهالي الرقة ونخبتها المدنية، لدفع السلطة إلى تغيير طريقة إدارة المحافظة، وتغيير ثقافة المجتمع ونظرته لمن يتحمل المسؤولية. المنصب تكليف وليس شرف. فهو ليس مكانا للشبهة، بل هو مكان للخدمة العامة، ومن مسؤولية المجتمع أن يشجع أبنائه على التقدم للوظائف الحكومية ويمنحه الحد الأدنى من الثقة، لكسر دائرة الخوف والانسحاب هذه خوفا من العار الاجتماعي. وفي النهاية، حتى وإن انتشر المثل «ما يغني الحي» بحمولته السلبية، فإن العكس لا يقل حضوراً في الوعي الجمعي: «أهل مكة أعلم بأهلها». وبين المثالين تتضح المفارقة التي تعيشها المحافظة اليوم. لا يمكن فهم غياب أبناء المدينة عن مواقع صنع القرار على أنه مسألة كفاءة فحسب، بل كنتيجة لتفاعل تشاركي معقد بين السلطة والمجتمع، حيث تتقاطع الثقة المفقودة مع الإقصاء. وبهذا المعنى، لا يكفي التوقف عند تشخيص المشكلة، بل عند سؤال أعمق: كيف يمكن إعادة بناء العلاقة بين المجتمع ومؤسسات صنع القرار، بما يجعل الحضور المحلي قاعدة وليس استثناء، والمشاركة استحقاقاً؟




