اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-07 11:39:00
محمد غزوان شاهين قبل أن تصل صور الدمار، وقبل أن تُفتح ملفات الإهمال والتهميش، كان أهل شبه الجزيرة السورية يواجهون شكلاً آخر من أشكال المعاناة، أقل وضوحاً ولكن أكثر إيلاماً: نظرة التعالي والاستخفاف التي ظهرت مع بدايات التحرير. وانتشرت التعليقات والخطابات التي تختزل المنطقة وأهلها في قوالب نمطية جاهزة، تعاملهم على أنهم عبئ اجتماعي أو حالة متخلفة تحتاج إلى «إعادة تأهيل»، وليس شركاء حقيقيين في الوطن. ولم تكن هذه النظرة جديدة تماما، لكنها ظهرت بشكل أكثر وضوحا في تلك اللحظة المحورية، عندما كان من المفترض أن تكون مرحلة تضامن واندماج. لكن الأمر تحول في بعض الخطابات إلى مناسبة لإعادة إنتاج الإقصاء بلغة مختلفة. وقد أدى ذلك إلى تعميق شعور العديد من أبناء العشائر بأنهم ما زالوا يعاملون كأحزاب هامشية، وليس كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. مع اكتمال عملية التحرير مطلع عام 2026، وعودة محافظات الجزيرة السورية إلى أرض الوطن، بدأ وصول الصور واللقطات، لأول مرة منذ أكثر من عشر سنوات، توثق واقع هذه المناطق بعد سنوات طويلة من العزلة والاضطراب. وأظهرت هذه المشاهد حجم الدمار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي الذي عانت منه شبه الجزيرة السورية، نتيجة عقود من الإهمال في عهد البعث، تلتها مرحلة مظلمة للغاية مع سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية”، ثم مرحلة جديدة مع وصول قوات سوريا الديمقراطية وسيطرتها على المنطقة. وفي خضم هذه التحولات القاسية، دفع سكان الجزيرة، وخاصة أبناء القبائل البدوية، ثمناً مضاعفاً، ليس فقط بسبب الأوضاع الأمنية والمعيشية، بل أيضاً نتيجة النظرة المعممة والتمييز الذي طالهم، سواء على المستوى المجتمعي أو السياسي. لعقود من الزمن، كان يُنظر إلى شبه الجزيرة السورية فقط على أنها خزان استراتيجي للقمح والنفط والغاز، ومصدر للمياه عبر سد الفرات، دون التعامل معها كفضاء اجتماعي حي يضم مجتمعا متنوعا بثقافته وتقاليده وتاريخه. خصوصية هذه المنطقة لم تؤخذ بعين الاعتبار في السياسات التنموية أو التعليمية أو الثقافية. بل تم التعامل معها كمنطقة إنتاج فقط، استنزفت مواردها دون إعادة استثمارها في السكان الذين يعيشون فوقها. وقد ساهم هذا التهميش الممنهج في تعميق الشعور بالعزلة، وخلق فجوة متنامية بين أبناء الجزيرة ومؤسسات الدولة، مما أضعف تدريجيا مفهوم الانتماء الوطني، وفتح الباب أمام بدائل هوية ضيقة، تقوم على العشيرة أو السلاح أو النفوذ المؤقت. وحتى بعد التحرير، لم يتغير الخطاب كثيراً. عندما يتم ذكر شمال شرقي سوريا أو شبه الجزيرة السورية، غالباً ما يشار إليها كمناطق نفوذ لهذا الطرف أو ذاك، أو كمناطق ثروات وموارد، دون الاهتمام الجدي بالعنصر البشري، الذي هو الركيزة الأساسية في بناء الوطن والدولة الحقيقيين. ولا يقتصر هذا الإهمال على العشائر العربية وحدها، بل يشمل أيضاً بقية المكونات من الأكراد والسريان والآشوريين وغيرهم من أطياف المنطقة المتنوعة. لكن التركيز في هذا السياق ينصب على القبائل العربية، فهي الأكثر عدداً، على الأقل في محافظتين، بحسب التعدادات السكانية القديمة. وفي ظل هذا الواقع، لجأ العديد من أبناء العشائر إلى مرجعياتهم القبلية التقليدية، كملجأ بديل للدولة الغائبة. إلا أن بعض زعماء هذه العشائر تحولوا، في مراحل مختلفة، إلى أدوات لخدمة المصالح الضيقة. ارتبطوا تارة بالنظام، وتارة بإيران، وتارة بمنظمات متطرفة، أو بحزب العمال الكردستاني، مستغلين ثقافة الطاعة العمياء التي ترسخت عبر الأجيال، في خدمة مكاسبه المالية والنفوذية. وبالطبع، لا يمكن التعميم في هذا السياق، فليس كل شيوخ العشائر أو أفرادها سواء، لكن نسبة كبيرة سقطت في هذا المسار، نتيجة تراكمات طويلة من التهميش والحرمان. يضاف إلى ذلك سياسات قديمة هدفت إلى جهل أبناء المنطقة، ودفعهم نحو العمل الزراعي المبكر على حساب التعليم، وإبعادهم عن المدارس والجامعات، فضلا عن تحويلهم إلى مورد بشري للتجنيد في القوات المسلحة، واستخدامهم كوقود في الحروب الداخلية والخارجية. وهي سياسات لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم. ولا يمكن تحميل أهل شبه الجزيرة السورية مسؤولية ما مروا به خلال الخمسة عشر عاماً الماضية على وجه الخصوص، ولا حتى خلال العقود الستة السابقة تحت حكم البعث. وكان سكان هذه المنطقة، في مرحلة مبكرة، جزءاً من الخطاب الرسمي المروج لما سمي بـ”الثورة الفلاحية”، وانخرطوا بحسن نية في الشعارات البعثية التي رفعت اسمهم ظاهرياً، بينما في الواقع كرست تهميشهم. ورغم ذلك فإنهم كانوا من الفئات الأكثر تضررا من الإهمال والتهميش، سواء على المستوى التنموي أو التعليمي أو الخدمي. ومع ذلك، فإن الحلول المقترحة اليوم ليست معقدة أو مستحيلة التنفيذ. بل يمكن الاستفادة من التجارب الحديثة والناجحة في التعامل مع البنية القبلية والعشائرية، كما هو الحال في دول الخليج العربي، مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت، حيث تم دمج العنصر القبلي في إطار الدولة الحديثة، مع الحفاظ على التراث المحلي والاعتزاز بالهوية القبلية، دون أن يتحول ذلك إلى عائق أمام المواطنة أو الولاء الوطني. وفي تلك التجارب، تحول هذا الفخر إلى عنصر دعم للدولة، وليس إلى عامل إضعافها، وأصبح الانتماء للعشيرة مكملاً للانتماء للوطن، وليس بديلاً عنه. ومن ناحية أخرى، هناك حاجة ملحة لدفع أبناء العشائر نحو نبذ السلاح، وكسر الصورة النمطية التي تربط “الرجولة” بالقوة المسلحة والكبرياء العشائري، واستبدالها بقيم العلم والمعرفة والعمل والإنتاج. الشرف الحقيقي لا يقاس بعدد الأسلحة، بل بقدرة الإنسان على بناء نفسه ومجتمعه. ويمثل نشر التعليم وتعزيز الثقافة وتوسيع نطاق الوصول إلى المدارس والجامعات النهج الأساسي لإعادة بناء الشعور الوطني في الجزيرة السورية، بالإضافة إلى تحسين الخدمات والمرافق العامة، وتعزيز حضور الدولة كحارس لمصالح الناس، وليس مجرد قوة عظمى. ولا يمكن إغفال الدور الثقافي والإعلامي، خاصة الدراما السورية التي شكلت في يوم من الأيام إحدى أهم أدوات التأثير المجتمعي، لكنها تجاهلت قناة الجزيرة السورية لعقود من الزمن، حيث لم يتم إنتاج عمل درامي واحد يعبر عن واقعها الحقيقي. واليوم، هناك فرصة تاريخية لتصحيح هذا الغياب وإعادة دمج المنطقة في الوعي الوطني العام. إن الرغبة الواضحة لدى أهل الجزيرة في العودة إلى الدولة تمثل فرصة نادرة، وربما فريدة، لا ينبغي إهمالها. إن الاستثمار في هذه اللحظة من خلال سياسات ثقافية عادلة وتنموية ومتوازنة هو السبيل الوحيد لتحويل المعاناة الطويلة إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارا وانتماء. متعلق ب


