اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-25 16:16:00
دير الزور – مروان المداحي لم تعد جدران المنازل الأربعة مجرد مكان للعيش أو اللجوء من تقلبات الحرب والنزوح للفتيات في ريف دير الزور. بل تحولت مؤخراً إلى ورش عمل مفعمة بالحياة والإصرار. في ظل أزمة اقتصادية “خانقة” تعصف بمناطق شمال شرقي سوريا، لجأت مئات الفتيات إلى الأعمال اليدوية والمهن المنزلية لكسب لقمة العيش وتأمين تكاليف المعيشة المتزايدة، وسط قلة فرص العمل وارتفاع معدلات التضخم. من الوظيفة العامة إلى “المطبخ الإنتاجي”، تجسد سماح التايه، من أبناء بلدة السويدان بريف دير الزور الشرقي، قصة “كفاح” بدأ منذ نحو عامين. إنها مثال لآلاف الفتيات اللاتي وجدن أنفسهن يواجهن خيارات مريرة. واضطرت إلى ترك عملها بسبب تدهور الوضع الأمني في المنطقة وصعوبة تأمين وسائل النقل التي بدأت تستنزف الجزء الأكبر من الراتب. وهي التحديات التي بدأت تعيق عمل المرأة بشكل مباشر في دير الزور. ولم تستسلم سماح لواقع البطالة الذي فرضته البيئة المحيطة بها، فاستخدمت منصة “يوتيوب” كمصدر تعليمي بديل لفنون الحياكة والخياطة. وقالت لعنب بلدي، “بدأت بإبرة صغيرة، ومع الوقت وبمساعدة أهلي تحول هذا النشاط من هواية إلى مهنة”. وأضافت سماح، “بعد عام واحد، توسعت الأعمال وبدأت ببيع منتجاتي إلى محلات تجارية في البلدة والقرى المجاورة”، مشيرة إلى أنها في ظل عدم توفر الإمكانيات المالية لفتح مشروع مستقل، اعتمدت على “الاقتصاد التشاركي”، من خلال التعاون مع إحدى جاراتها التي تمتلك ماكينة تطريز لتلبية بعض الطلبات الخاصة مقابل نسبة مالية، بما يعكس التكافل الاجتماعي لمواجهة العجز المالي. الشهادات الجامعية «مطرزة» بالصبر. ولم تقتصر هذه الظاهرة على الفتيات اللاتي لم يكملن تعليمهن، بل امتدت لتشمل خريجات الجامعات اللاتي فقدن الأمل في الحصول على وظائف تناسب تخصصاتهن. فادية محمود، من مدينة رأس العين ومقيمة في دير الزور، متخصصة في فنون التطريز اليدوي لصنع أوشحة التخرج وفساتين الزفاف واللوحات المرسومة بالقش والإبر. وجدت في مهنتها ملاذاً اقتصادياً، بل وساعدت عائلتها. وقالت فادية لعنب بلدي، إنه رغم المجهود البدني الشاق الذي يتطلبه التطريز اليدوي، والحاجة الدقيقة للتركيز الذي قد يرهق العيون والأعصاب، إلا أن العائد المالي يعتبر “جيدًا” في ظل انهيار القدرة الشرائية للعملة المحلية، حيث يصل سعر القرص المطرز يدويًا في المنطقة إلى 50 ألف ليرة سورية. ويعتبر السعر جيدًا ويعكس حجم الجهد المبذول، وقيمة العمل التراثي الذي لا يزال يحتفظ بمكانته في وجدان السكان، بحسب فادية. وتسلط الضوء على قصة سهام ماجد، حيث بحثت عن عمل لمدة عامين دون جدوى، حتى اقترحت عليها والدتها التي تعمل بالخياطة منذ 25 عاماً أن تتعلم المهنة. وقالت سهام لعنب بلدي، “تعلمت فنون التطريز الذي ورثته والدتي عن جدتي”. وتضيف سهام: “اليوم أدركت أهمية أنواع الأقمشة مثل الكتان والقطن، وكيف يمكن تحويل قطعة قماش عادية إلى لوحة فنية يطلبها الزبائن”، موضحة أنها اليوم لا تكتفي بالخياطة التقليدية، بل طورت أدواتها لتشمل حياكة الصوف والرسومات الحديثة التي تبيعها لفتيات المنطقة. بيئة عمل “معقدة”: الإيجارات والطاقة أبرز العوائق التي تواجه الفتيات، بحسبهن، حيث تصطدم طموحاتهن بواقع خدمي ومعيشي متردي يجعل الاستمرارية تحدياً يومياً. وتتصدر الإيجارات قائمة العوائق، إذ أصبح استئجار محل تجاري صغير في مراكز المدن أو القرى الكبرى «حلماً بعيد المنال» مع وصوله إلى عتبة المليون ليرة كحد أدنى في أطراف المدن، وهو رقم يفوق قدرة المشاريع الناشئة ويستهلك معظم الأرباح المتوقعة. وبالإضافة إلى الإيجارات، تبرز أزمة الطاقة كعائق فني وتصنيعي. ويؤدي الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي وارتفاع تكلفة الوقود اللازم لتشغيل المولدات إلى إعاقة تشغيل آلات الخياطة والتطريز الحديثة، كما يهدد سلامة الصناعات الغذائية المنزلية التي تتطلب ظروف تخزين وتبريد محددة. وهذا الواقع دفع الفتيات إلى استبدال الآلات الكهربائية بالأعمال اليدوية “الشاقة” التي تستغرق وقتاً أطول، أو الاعتماد على المعدات المستعارة لتقليل تكاليف التشغيل. ولا تقتصر الصعوبات على مرحلة الإنتاج فقط، بل تمتد إلى مرحلة التسويق والبيع النهائي، إذ تضطر عاملات المنازل إلى دفع عمولات لأصحاب المحلات مقابل عرض منتجاتهن، تصل أحياناً إلى ألفي ليرة سورية عن كل قطعة تباع. ومع ضعف القوة الشرائية للسكان المحليين، تجد الفتيات أنفسهن أمام معادلة صعبة: تخفيض أسعار البيع لضمان تدفق السيولة، مقابل الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الأولية (خيوط، أقمشة، سكر، وقود)، ما يجعل هامش الربح الحقيقي عند أدنى مستوياته. «البازار الرقمي».. «فيسبوك» و«واتساب» واجهات بديلة وفي مواجهة هذا الإغلاق في السوق المادية، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى “بازار رقمي” مفتوح. أصبحت مجموعات «الواتساب» و«الفيسبوك» المحلية هي الأسواق البديلة الحقيقية، حيث يتم عرض المنتجات عبر «الستوري» ومشاركة مراحل التصنيع لجذب العملاء عاطفياً وفنياً. بدأت الفتيات مثل لين السومة يعتمدن على تسويق منتجاتهن بطريقة احترافية عبر الهواتف المحمولة لجذب العملاء من خارج حدود بلداتهن. ولم يعد النشاط محلياً فقط، بل بدأت الطلبات تأتي من مغتربين من دير الزور في أوروبا ودول الخليج، يطلبون لوحات تراثية أو لوحات بالفحم، مما يوفر لهؤلاء الفتيات مصدر دخل قد يكون أحياناً بالعملات الصعبة أو عبر التحويلات المالية التي تدعم مشاريعهن الصغيرة. غياب الدعم المؤسسي وحلم الاستدامة. وتشهد مناطق دير الزور وريفها أزمة اقتصادية معقدة ناجمة عن سنوات الحرب وضعف البنية التحتية والسياسات الاقتصادية المتقلبة. ويرى مراقبون محليون أن هذه المشاريع المنزلية، رغم صغر حجمها، تشكل النواة الأساسية لصمود المجتمع المحلي وتمنع انهيار الأسر تحت خط الفقر المدقع. ومع ذلك، تظل هذه الجهود النسوية “مبادرات فردية” تفتقر إلى التنظيم النقابي أو الدعم المؤسسي. المطلوب اليوم لا يقتصر على المساعدات الإغاثية، بحسب العاملات اللاتي التقت عنب بلدي، بل يمتد إلى رغبة الفتيات في الحصول على قروض صغيرة ميسرة، وتأمين ألواح شمسية لتشغيل الآلات، وإقامة معارض دورية تدعم “صنع في دير الزور” من قبل نسائها، لضمان تحويل تلك الورش المنزلية إلى مشاريع مستدامة قادرة على النمو وتوظيف فتيات أخريات، بدلاً من أن تبقى مجرد محاولات للبقاء. متعلق ب




