سوريا – القيصر بين الدراما والذاكرة: من يحق له أن يروي قصة السجون السورية؟

اخبار سوريا24 فبراير 2026آخر تحديث :
سوريا – القيصر بين الدراما والذاكرة: من يحق له أن يروي قصة السجون السورية؟

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-24 12:39:00

لماذا يجب إيقاف عرض “قيصر” ومحاسبة من سمح به؟ ليست كل الأعمال الدرامية مجرد فن؛ ومنهم من يدخل مباشرة في معركة الذاكرة. لم تكن الثورة السورية صراعاً متساوياً بين الأطراف السياسية، بل كانت انتفاضة شعب خرج مطالباً بحقه في الحرية والكرامة، قوبل بقمع ممنهج بقيادة نظام دولة يقوده بشار الأسد وأجهزته الأمنية. وهذه ليست وجهة نظر، بل حقيقة موثقة بالصور والشهادات والملفات القانونية. عندما قام المصور العسكري المنشق فريد المدحان، المعروف بـ”القيصر”، بتسريب آلاف الصور من داخل المعتقلات، لم تكن مواد إعلامية استهلاكية، بل أدلة جنائية استندت إليها التشريعات الدولية، بما في ذلك “قانون قيصر” الذي تم إقراره بناء على وصف واضح: هناك تعذيب ممنهج داخل مؤسسات الدولة. ولذلك فإن تحويل هذا الملف إلى عمل درامي ليس خطوة عادية؛ هو مقاربة لجرح مفتوح، وعدالة لم تتحقق، وذاكرة لم تهدأ. من الجريمة المؤسسية إلى “الجلاد المكسور”. أخطر ما في العمل ليس ضعفه الفني، بل بنيته السردية. وبدلا من ترسيخ المسؤولية كسياسة دولة واضحة المعالم، انتقل الثقل الأخلاقي إلى شخصيات مضطربة نفسيا ومعقدة ومهزوزة، مما يفتح الطريق بشكل كبير للتعاطف معهم، بل ويفتح الباب لفكرة العفو عنهم. ونحن هنا لا نتحدث عن التعقيد البشري، بل عن التفريغ السياسي. عندما تتحول الجريمة عن قرار الأمن المركزي تؤدي إلى أزمة ضمير فردية، وحين يصبح الجلاد إنساناً مكسوراً يستحق أن يفهم، يتم تقليص الجريمة وتخفيفها وإعادة توزيعها على المستوى النفسي وليس السياسي. لكن صور المعتقلات لم تكن نتاج اضطرابات داخلية؛ لقد كان نتاج نظام هرمي يعمل بموجب أوامر واضحة وكان له صانع قرار محدد. إن تحويل ذلك إلى مأساة شخصية ليس عمقًا فنيًا، بل هو إعادة صياغة تقلل من مركز المسؤولية الحقيقي. ذاكرة الناس ليست قصيرة. ولا تتوقف الأزمة عند النص، بل تمتد إلى الوجوه التي في مقدمته. وخلال سنوات القمع، أعلن عدد من الفنانين مواقف مؤيدة للنظام بشكل صريح، وظهرت البيانات العامة والصور والمنشورات في ذروة أعمال العنف. هذه ليست تفسيرات لاحقة، بل حقائق ثابتة في ذاكرة السوريين. واليوم، عندما يظهر بعض هؤلاء في أعمال يدعون فيها إدانة السجون، ويعربون عن دهشتهم المتأخرة من بشاعة الجرائم، لا يمكن تجاهل السؤال الأخلاقي: أين كان هذا الوعي عندما كانت المدن تقصف؟ أين كانت هذه الصدمة عندما امتلأت المعتقلات؟ التحول ممكن، لكن التحول دون التعرف الصريح ليس تحولا، بل قفزة فوق الذاكرة. بين التوبة السياسية والتسلق فوق الألم. في العديد من التجارب الدولية، كان التحول في المواقف السياسية ممكنا، لكنه لم يكن صامتا، ولم يكن منعطفا فنيا. وفي ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن من المسموح له إعادة تدوير خطاب النظام النازي من خلال الفن دون مساءلة واضحة واعتراف صريح. ولم تتحول الجرائم إلى اضطرابات نفسية فردية، بل ثبت أنها جرائم دولة ذات هيكلية وقيادة واضحة. وفي الأرجنتين، لم يتم قبول إعادة كتابة جرائم المجلس العسكري كمرحلة غامضة، بل كانت تسمى جرائم دولة، ويتبعها طريق المساءلة. كان المبدأ واضحًا: لا يمكن غسل الذاكرة من خلال الأداء الفني. وإذا حدث تغيير حقيقي في الوضع، فمكانه الاعتراف العلني وتحمل المسؤولية الأخلاقية عن المواقف السابقة. أما وضع نفسك داخل عمل درامي يقلل من وضوح المسؤولية، فهو ليس مراجعة، بل صعود فوق الألم. هل يتحول العمل الفني إلى أداة تبرئة؟ وعندما يتم إنتاج عمل يتناول المعتقلات دون تسمية مباشرة لرئيس السلطة الذي قاد الجهاز الأمني، وحين يتم إعادة صياغة الجرائم في إطار إنساني عام دون تعريف واضح لبنية القمع، وحين يتصدر المشهد من كانوا في خنادق الدعم السياسي للنظام؛ والشك ليس مبالغة، بل هو نتيجة منطقية. المشكلة ليست في تجسيد الألم، بل في استخدامه لإعادة ترتيب الذاكرة. الصور التي سربها فريد الذهاني لم تكن استعارة شعرية، بل دليل على سياسة تعذيب ممنهجة. إن استخدام اسم «قيصر» في سياق يقلل من وضوح المسؤولية المؤسسية يطرح سؤالاً صريحاً: هل نحن أمام توثيق… أم إعادة صياغة للمعنى؟ الذاكرة السورية لم تتعطل؛ يتذكر الناس الصور والأقوال والمواقف والصمت. أي رواية توحي بأن الجميع كانوا ضحايا بالدرجة نفسها، أو أن الجرائم كانت نتيجة «ظروف عامة»، هي رواية تصطدم مباشرة بالحقائق الموثقة، وبالوعي الجمعي الذي لم ينس من أصدر الأوامر. أين الرقابة؟ وإذا كانت هناك جهة رقابية مسؤولة عن مراجعة النصوص فهي تتحمل المسؤولية المباشرة. إن الترخيص بالعمل الذي يتناول الجرائم الموثقة دون تحديد واضح للمسؤولية المؤسسية لا يعد حيادًا إداريًا، بل هو قرار ثقافي وسياسي. إن تمرير سردية تذيب مركز صنع القرار هو مشاركة في إعادة تشكيل الوعي العام. فالمسألة ليست اختلافاً فنياً، بل هي مسؤولية أخلاقية تجاه تاريخ لم ينغلق. لم يعد الاعتراض على مسلسل “قيصر” يقتصر على المناقشات العامة أو المقالات النقدية، بل دخل إلى المسار القانوني رسميًا. وأعلن المحامي عمار عز الدين، عضو مجلس نقابة المحامين في حمص، أن النقابة تطالب وزارة الإعلام والجهات المختصة بفتح تحقيق مهني مستقل في محتوى العمل، لاحتمال احتوائه على جرائم ذم وقذف وإهانة ذكرى شخص متوفى. وهذا التطور ليس تفصيلاً عابراً؛ وهو نقل الاعتراض من مستوى الجدل الأخلاقي إلى مستوى المسؤولية القانونية. المسؤولية القانونية المحتملة. وبحسب ما جاء في البيان فإن استمرار عرض العمل – في حال ثبوت المخالفات – يعمق الضرر ويخلق مسؤولية تقصيرية على المنتج والعارض، إضافة إلى احتمال مخالفته لقانون الإعلام رقم 108 لسنة 2011. كما أكدت النقابة على مبدأ أساسي وهو أن حرية التعبير الفني ليست مطلقة، بل تتوقف عند حدود عدم انتهاك الحقوق الشخصية أو تشويه حوادث الاعتقال والتعذيب الموثقة. دوليا. وهنا يصبح السؤال مباشرا: هل تجاوز العمل هذا الحد؟ اسم عبد الباسط الساروت.. خط أحمر قانوني وأخلاقي البيان أشار بوضوح إلى نقطة حساسة جداً، وهي استخدام اسم الشهيد عبد الباسط الساروت ضمن العمل دون الحصول على موافقة كتابية من عائلته أو عرض النص عليهم مسبقاً. وهذه ليست مسألة رمزية، بل هي مسألة قانونية تتعلق بالحقوق الشخصية وحقوق الورثة، ومسؤولية أخلاقية تجاه شخصية عامة مرتبطة بذاكرة الثورة. إن إدراج اسم هذه الشخصية القوية في عمل مثير للجدل، دون موافقة رسمية من عائلته، يفتح باباً واضحاً للمساءلة القضائية. اتهامات أكثر خطورة: الانتقائية في الإهانات. والأكثر إثارة للقلق هو التصريحات المنسوبة للممثل سامر الكحلاوي حول حذف العبارات المسيئة لبشار الأسد مقابل الاحتفاظ بالعبارات المسيئة لرموز الثورة السورية. إذا صحت هذه التصريحات، فإننا لا نواجه خطأ فنيا، بل انتقائية سياسية في التحرير والمونتاج. وهنا تتحول القضية من جدل إبداعي إلى شبهة توجيه سردي مقصود. إنذار بموعد محدد. ولم يكن بيان نقابة المحامين مجرد اعتراض، بل اعتبر بمثابة إنذار رسمي للشركة المنتجة والعارضين، لمدة أقصاها سبعة أيام، قبل اللجوء إلى الإجراءات القضائية المدنية والجنائية في حال عدم الاستجابة. وهذا يعني أن الملف دخل مرحلة جديدة: إما مراجعة المحتوى وتصحيحه، أو التوقف عن بث الأجزاء المخالفة، أو مواجهة الإجراءات القانونية. بيان أهالي ضحايا “القيصر”: الدم ليس مادة للتسلية. وفي تطور مهم للغاية، أصدرت جمعية عائلات قيصر بتاريخ 18 فبراير 2026، بياناً شديد اللهجة أعلنت فيه رفضها القاطع لتحويل مأساة المعتقلين وصور “القيصر” إلى مادة درامية. ولم يكن البيان اعتراضاً فنياً، بل موقف أخلاقي وقانوني واضح، وجاء فيه: – جراح الأهالي لم تلتئم بعد، ولا يمكن تحويل صرخات الضحايا إلى «سيناريو تجاري». – الحقيقة والعدالة تسبق الدراما، ولا يجوز إنتاج أعمال عن المعتقلين قبل كشف الحقائق كاملة، والتعرف على القبور، وإعادة الرفات إلى أهلها بكرامة. – من أيد الجلاد أو صفق له، لا يملك الشرعية الأخلاقية لتجسيد آلام ضحاياه. – عرض القضية في إطار ترفيهي، وتحت إشراف أو تأثير شخصيات كانت جزءاً من منظومة التبرير، يشوه الوعي العام ويشكل ضربة جديدة للأمهات. واختتم البيان ببيان حاسم: العدالة تتحقق في المحاكم، وليس في استوديوهات التصوير. من يملك الذاكرة؟ فالمسألة، في جوهرها، ليست صراعاً على عمل فني. بل هو صراع على السرد. هل يتم تقديم مراكز الاعتقال كمأساة عامة دون مسؤول محدد؟ أم أن الأشياء تسمى بأسمائها ضمن سياق سياسي واضح؟ إن العمل الفني، مهما كانت نواياه، عندما يتناول جريمة بهذا الحجم، لا يمكن أن يتعامل معها كمجرد حبكة درامية. الذاكرة السورية ليست مساحة للتجريب السردي، والعدالة لا تُنتج على الشاشة. وتتحقق العدالة عندما تسمى الأشياء بمسمياتها، ويحاسب المسؤولون عنها.

سوريا عاجل

القيصر بين الدراما والذاكرة: من يحق له أن يروي قصة السجون السورية؟

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#القيصر #بين #الدراما #والذاكرة #من #يحق #له #أن #يروي #قصة #السجون #السورية

المصدر – زمان الوصل