اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-23 21:54:00
مع دخول محافظة الحسكة ذروة الموسم الزراعي، تتوزع مئات النساء يومياً بين حقول القمح والشعير وحقول القطن والخضروات والمحاصيل العطرية، في مشهد يعكس الدور الذي تلعبه المرأة الريفية في دعم الاقتصاد الأسري، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن حجم التحديات التي تواجهها العاملات الزراعيات اللاتي يتقاضين أجوراً متدنية مقابل عمل شاق يمتد لساعات طويلة تحت الشمس. وبينما ينشغل المزارعون بحصاد القمح والشعير، تجري أعمال أخرى لا تقل أهمية في الحقول، مثل جمع التبن، وتنظيف القطن من الأعشاب الضارة، وحصاد الكمون والكزبرة، وحصاد خضروات الصيف. وتعتمد هذه الأعمال إلى حد كبير على العمالة النسائية التي أصبحت جزءا أساسيا من الدورة الزراعية في ريف المحافظة. أصبحت النساء يشكلن النسبة الأكبر من العمال الموسميين في العديد من القرى، خاصة مع هجرة العديد من الرجال إلى الريف خارج البلاد بحثاً عن فرص عمل أفضل، أو تنقلهم اليومي إلى المدينة للقيام بأعمال لا تقل صعوبة عن عمل المرأة، مما دفع المرأة إلى تحمل أعباء إضافية في الحقول بالإضافة إلى مسؤولياتها المنزلية. تعبئة التبن… أجور لا تعادل الجهد. ومع انتهاء الحصادين من جمع محصولي القمح والشعير، تبدأ مرحلة أخرى من العمل الشاق، وهي جمع وتعبئة التبن لاستخدامه كعلف للماشية خلال العام. وقالت نورا العلي من ناحية تل براك شمال شرق الحسكة، إن عدداً كبيراً من النساء ينتقلن مباشرة إلى هذه المرحلة بعد انتهاء عمليات الحصاد. وأضافت لعنب بلدي أن أجور تعبئة “حزمة” القش لا تزال منخفضة رغم الجهد المبذول، إذ يتقاضى العامل نحو ألفي ليرة سورية عن كل “ربطة” يتم تجهيزها وربطها. وأوضحت أن العامل يمكنه أن يجني ما بين 15 و20 «شلناً» يومياً في أفضل الظروف، اعتماداً على كثافة القش ودرجة الحرارة وعدد العمال في الحقل، ما يجعل الدخل اليومي محدوداً مقارنة بتكاليف المعيشة الحالية. وقالت إن العمل يبدأ في ساعات الصباح الباكر تفادياً للحرارة الشديدة، لكنه يتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً بسبب رفع التبن وضغطه وربطه وجمعه في مكان واحد. وأضافت أن الكثير من النساء اللاتي يعملن في هذا المجال هن أرامل أو زوجات العمال والمزارعين من ذوي الدخل المحدود، مما يضطرهن إلى قبول الأجور المتاحة مهما كانت منخفضة. تنظيف القطن.. ساعات طويلة من الانحناء تزامناً مع موسم حصاد الحبوب تشهد مناطق واسعة من الحسكة استمرار أعمال خدمة محصول القطن، وأهمها إزالة الأعشاب الضارة المعروفة محلياً بـ”الأعشاب الضارة”. وتعد هذه العملية من أكثر الأعمال الزراعية التي تعتمد عليها المرأة، إذ تتطلب المرور بين خطوط القطن واقتلاع الأعشاب الضارة يدوياً للحفاظ على نمو النباتات وتحسين إنتاجيتها. وقالت سلمى الحمد، من ريف الحسكة الشمالي، إن تنظيف القطن من الأعشاب يتطلب ساعات طويلة من العمل المتواصل، مضيفة أن النساء يبقين في الحقول من الصباح حتى الظهر أو بعد الظهر مقابل أجر يومي يتراوح غالباً بين 40 و60 ألف ليرة سورية. وأضافت أن هذه المهمة تعتبر من أكثر الأعمال إرهاقا بسبب الانحناء المستمر والتنقل المتكرر بين الخطوط الزراعية خاصة خلال أشهر الصيف التي تشهد ارتفاعا في درجات الحرارة بالمنطقة. وأضافت أن بعض النساء يعملن أيضاً بزراعة القطن خلال بداية الموسم، ثم يعودن للعمل بتنظيفه خلال مراحل نموه المختلفة، ما يجعل ارتباطهن بالمحصول يمتد لأشهر عديدة في السنة. الكمون والكزبرة بجهود النساء. ولا يقتصر عمل المرأة على القمح والقطن، إذ تشهد مناطق زراعة الكمون والكزبرة في الحسكة إقبالاً كبيراً على العمالة النسائية خلال فترة الحصاد. ويعتمد المزارعون على النساء في جمع المحاصيل وفرزها وتنظيفها وإعدادها للنقل والتخزين، نظرا للدقة والرعاية التي تتطلبها هذه المحاصيل أثناء عملية الجمع. وتتراوح الأجور اليومية في هذه الوظائف بين 60 و100 ألف ليرة سورية، بحسب طبيعة العمل والمسافة التي يقطعها العمال للوصول إلى الحقول، بينما ترتفع الأجور قليلاً في بعض المناطق التي تعاني من نقص العمالة. ويقول المزارعون إن النساء أصبحن عنصرا رئيسيا في موسمي الكمون والكزبرة في السنوات الأخيرة، خاصة في القرى التي تعتمد على هذه المحاصيل كمصدر مهم للدخل الزراعي. تعتمد الأسر على قطف الخضروات في شمال غرب الحسكة. بردى العبد الله، سيدة خمسينية، تعمل مع ابنتيها في قطف الخضار خلال المواسم الزراعية المختلفة. وقالت لعنب بلدي إن العمل في الحقول أصبح مصدر دخل العائلة الأساسي، موضحة أنها تتنقل بين مزارع الخيار والطماطم والكوسا والفلفل حسب الموسم. وأضافت أن يوم العمل غالباً ما يبدأ قبل شروق الشمس لتجنب ارتفاع درجات الحرارة، ويستمر حتى الظهر أو بعده حسب حجم الإنتاج المراد جمعه. وأشارت إلى أن الأجر اليومي يتراوح غالبًا بين 60 و100 ألف ليرة سورية، لكنها ترى أن هذه المبالغ لم تعد كافية في ظل الارتفاع المستمر في أسعار المواد الغذائية والمحروقات والمواصلات. وأضافت أن عدداً كبيراً من العاملات يعيلن أسرهن أو يساهمن بشكل رئيسي في دخل الأسرة، ما يجعلهن أكثر ارتباطاً بالعمل الموسمي رغم ظروفه الصعبة. – الأجور المنخفضة مقارنة بتكاليف المعيشة. وعلى الرغم من الدور المهم الذي تلعبه المرأة في القطاع الزراعي، إلا أن العاملات يشتكين من أن الأجور لا تتناسب مع حجم الجهد المبذول. معظم العاملات غير قادرات على تأمين سوى جزء بسيط من احتياجاتهن في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. كما تفتقر العاملات إلى أي نوع من الحماية الاجتماعية أو الصحية، حيث يعملن في كثير من الأحيان بشكل يومي أو موسمي دون عقود عمل أو ضمانات أو تعويض في حالة الإصابة أثناء العمل. وتقول العاملات إن الأجر اليومي قد يبدو مرتفعاً عند النظر إليه على حدة، لكنه يصبح محدوداً جداً بعد الأخذ في الاعتبار عدد أيام العمل الفعلية خلال الموسم والنفقات المتكبدة على الغذاء ومتطلبات الأسرة. خبير اقتصادي: المرأة هي ركيزة الإنتاج الزراعي. ويرى الخبير الاقتصادي عبد الحميد الصالح، أن توسع مشاركة المرأة في القطاع الزراعي خلال السنوات الأخيرة يرتبط بشكل مباشر بتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر في الريف السوري. الصالح قال لعنب بلدي إن المرأة الريفية لم تعد مجرد عنصر مساعد في العملية الزراعية، بل أصبحت في العديد من المناطق إحدى الركائز الأساسية للإنتاج الزراعي. وأضاف أن انخفاض الأجور يعود إلى عدة عوامل أبرزها كثرة العمالة الباحثة عن أي فرصة عمل، وغياب التنظيم القانوني لسوق العمل الزراعي، وعدم وجود هيئات تدافع عن حقوق العاملات أو تحدد لهن أجوراً عادلة. وأوضح أنه في كثير من الحالات تحصل المرأة على أجور أقل من الرجل على الرغم من قيامها بأعمال مماثلة أو أكثر دقة، وهو ما يعكس اختلالات مزمنة في سوق العمل الزراعي. وأشار إلى أن القيمة الاقتصادية لعمل المرأة تتجاوز الأجور المباشرة التي تحصل عليها، لأنها تشارك أيضا في تربية الدواجن والماشية، والأعمال المنزلية، ورعاية الأطفال، مما يضاعف مساهمتها في اقتصاد الأسرة الريفية. التقارير الدولية تتحدث عن مشاركة المرأة في الزراعة. وتؤكد التقارير الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن المرأة تشكل نسبة كبيرة من القوى العاملة الزراعية في دول الشرق الأوسط، وتشارك في مختلف مراحل الإنتاج الزراعي، من زراعة المحاصيل والعناية بها إلى الحصاد والتخزين والتسويق. كما أشارت الدراسات الأكاديمية التي تناولت واقع النساء العاملات في الزراعة السورية إلى أنهن يتركزن في كثير من الأحيان في الأعمال الموسمية والأقل أجراً، ويعملن في ظروف تفتقر إلى الحماية القانونية والاجتماعية. وكانت تقارير صحفية سابقة لعنب بلدي أظهرت استمرار معاناة العاملات الزراعيات في عدة محافظات سورية، بسبب انخفاض الأجور وغياب الحقوق العمالية، رغم زيادة اعتماد القطاع الزراعي على عمل المرأة في المواسم المختلفة. بين حصاد القمح والشعير، وتنظيف القطن، وجمع الكمون والكزبرة، وجني الخضار، تواصل نساء الحسكة العمل في دورة زراعية متواصلة تمتد طوال أشهر عديدة في السنة. وفي حين تشكل أجورهن المتواضعة مورداً أساسياً للعديد من الأسر، إلا أن واقع العاملات الزراعيات يبقى أحد أبرز مظاهر التحديات الاقتصادية التي تواجهها المرأة في الريف السوري، حيث تتزايد الأعباء والمسؤوليات بشكل أسرع بكثير من ارتفاع الأجور.


