اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-22 10:52:00
على أحد الأرصفة في مدينة محردة بريف حماة، تستذكر الثمانينية جورجيت حنكليس ما حفظته من قصة ترافقها منذ عقود. إنه لا يشبه حكايات الجدات أو أفلام ديزني، بل يجمع بين تاجر وصياد وعامل وشراكتهم مع الضفادع. في ذاكرة جورجيت، الضفدع ليس أميرا انكسر سحره بقبلة، ولا بديلا عن كرة يلعب بها الأطفال عندما يصادفونه في أحد الأزقة، ولا أداة تعليمية في دروس التشريح، بل هو نقطة تحول في حياتها التي تجمع بين العمل المربح والذوق الرفيع. الضفادع ليست طعاماً مألوفاً في ذاكرة السوريين. مثل مئات الحيوانات البرية، ظلت خارج أدبيات المائدة المحلية، ولم يتم متابعتها كغذاء يومي. بل بقيت محصورة في الدراسات وملاقط التشريح وبعض القصص النادرة. لكن ما ترويه جورجيت يكسر هذه القاعدة ويكشف عن تجربة مختلفة تماما، حيث تتحول الضفادع من كائن هامشي إلى مصدر رزق وطبق يقدم على الموائد. ذاكرة العمل لا تتذكر جورجيت متى بدأت عملها في تنظيف الضفادع للطعام في ورشة محلية في محردة بريف حماة، يملكها مدحت نجار ووالده، لكنها توقفت عن هذا العمل عندما بلغت السبعين من عمرها، أي قبل نحو خمسة عشر عاماً. وأسست عائلة النجار شركة لشراء وتصدير الضفادع عام 1980، وأدرجتها ضمن قائمة الصادرات التي شملت الأنقليس والقواقع وطيور التين، تلبية لطلب لبناني. وكانت هذه الشركة واحدة من شركتين فقط في ريف حماة تنقلان الضفادع إلى لبنان، تحت إشراف مدحت نجار ووالده، حتى عام 2012، عندما وضعت الحرب حدًا للصيد الليلي في سوريا. ويقول مدحت نجار، الرجل السبعيني الذي ورث المهنة عن والده: «تصدير الضفادع عمل نظامي ومرخص، سواء عن طريق البر أو المطارات». ويضيف: «إن استكمالها يتطلب عدة إجراءات، منها الحصول على شهادة صحية من طبيب بيطري تثبت سلامة الضفادع وملاءمتها للأكل». وفي لبنان، كان التجار مسؤولين عن توزيع ما ترسله عائلة مدحت إلى المطاعم والمحلات التجارية. يقول مدحت: “معظم المطاعم اللبنانية تقدم هذا الطبق، على عكس المدن السورية، حيث اقتصر تقديم أرجل الضفادع على عدد قليل من مطاعم حلب ودمشق”. وأضاف: «إن سعر الكيلوغرام الواحد من الضفادع يعادل سعر كيلوغرامين من اللحم». يبدأ عمل جورجيت بعد وصول سيارة الضفادع التي تحمل محصول الصياد أبو عادل حميدوش، الذي ورث صيد الأسماك وبيعها عن والده، إلا أن صيد الضفادع كان عملاً إضافياً بالنسبة له. وفي حوض اسمنتي مرتفع تقوم السيارة بتفريغ حمولتها. يتم رفع الحوض بطريقة تمنع الضفادع من القفز منه. وبجانبها يقف شاب يحمل أمامه سكينًا ودفة خشبية، ينتظر أن تفرغ السيارة حمولتها كاملة ليبدأ مهمته في ذبحهم. وبجانبه، على كرسي منخفض، تجلس جورجيت تنتظر الدفعة الأولى من الضفادع، وعلى الجانب الآخر يجلس عامل آخر. باستخدام “الكماشة” يقومون بنزع أظافر الضفادع ونزع جلدها الخارجي، ومن ثم تبدأ مرحلة تنظيف الفم من الأوساخ، ولم يتبق سوى الأرجل. “التراص” هو المرحلة الأخيرة من العمل قبل الحفظ والتبريد. تحاول جورجيت تشكيل وردة بيدها من خلال وضع إصبعها السبابة نحو إبهامها، لكنها لم تنجح. تمشي على الرصيف بحثًا عن وردة صغيرة لتقريب شكل الضفدع إلى الصورة الأكثر شهرة في ذهنها. تقول: “شكلها يشبه الوردة”. بعد تنظيف الضفادع بشكل كامل وغمرها في الثلج، يتم تركها في الثلاجة طوال الليل، ثم ترتيبها في أكياس أو صناديق. أما ما بقي من الضفدع (أظافر، جلد، تراب، ورأس الضفدع)، فكان يستخدم كطعم من قبل الصيادين. لقد سئم العمال من تنظيف الضفادع، مما دفع التجار إلى عرض أجور أعلى عليهم. يقول مدحت: «من النادر أن يعمل أحد في تنظيف الضفادع، وكانت الأجور تحسب على حسب ما ينتجه كل عامل من الأسطول، لكنها بلغت ضعف راتب الموظف في ذلك الوقت». أما جورجيت التي وجدت في هذا العمل مهرباً من الاستيقاظ المبكر الذي يرافق العمل الزراعي الذي كان الاختيار الأكثر شيوعاً للنساء في ذلك الوقت بساعاته الطويلة والشاقة، فتقول: «خمسة أساطيل من ضفادع التنظيف جلبت عائداً قدره 100 ليرة في ذلك الوقت». ذاكرة الصيد: اكتسب الصياد أبو عادل خبرة واسعة في حياة الضفادع. ويفرق بين ثلاثة أنواع «أحدها أملس ولونه صخري أو أخضر» وهو النوع الصالح للأكل ولهذا يصطاد. أما النوع الصحراوي الجبلي فلا يؤكل فلا يقترب منه الصيادون. وينطبق الشيء نفسه على الضفدع الأخضر الصغير الذي يُسمع غالبًا نعيقه. ويشير هذا الصياد إلى أن الضفادع مخلوقات مرتبطة بشكل مباشر بدورة المياه والفصول، فهي تدخل في حالة سبات في الشتاء، ثم تنشط عادة عندما ترتفع درجات الحرارة. وتلجأ إلى البرك والجداول والمياه الهادئة لوضع البيض، مما يجعل ظهورها ومواسم تكاثرها مرتبطين بشكل وثيق بسلامة الأراضي الرطبة واستقرار منسوب المياه فيها. وبعد انتهاء سباتها مع بداية الربيع، تظهر الضفادع في مجاري سهل الغاب، وتتخذ من النباتات التي تنمو على سطح الماء موطئاً لأقدامها الطويلة ومكاناً تستقر فيه ليلاً. يقول أبو عادل: «لذلك فإن عملية الصيد تحتاج إلى قارب ومجداف ونور وصيادين اثنين». يقف الصياد الأول في مقدمة القارب حاملاً ضوءاً أبيض ساطعاً كان يُعرف قديماً باسم “لوكس”. وبينما يتحرك القارب، يمسك الضفادع النائمة بيده الأخرى ويضعها في كيس مربوط إلى ظهره، بينما يتولى الصياد الثاني مهمة التجديف وتحديد مسار القارب الذي يبلغ طوله أربعة أمتار تقريبًا. القوارب ليست مناسبة لجميع مناطق الصيد. ومع توسع العمل توجه أبو عادل إلى روافد الفرات وأنهاره وقنواته. وفي دير الزور، أمضى أياماً وليالٍ في اصطياد الضفادع من المصارف التي يصل ارتفاع المياه فيها إلى نصف متر. ويقول: «وجود الصيادين وأقفالهم وسائق السيارة يكفي للتحرك بجانب سيل المياه، وبعد قضاء ثلاثة أو أربعة أيام نعود بحمولة تصل إلى 300 كيلوغرام من الضفادع». يتذكر أبو عادل يوماً نام فيه على جسر الميادين في دير الزور، ويوماً على الحدود العراقية وصولاً إلى سنجار، وفي ليلة لا تنسى جمع كمية كبيرة من الضفادع. يقول: “ذات ليلة في تل السمن، كان الحصاد 400 كيلوغرام من الضفادع، ثم أشرقت الشمس في عيد الأم”. لم يكن العمل في دير الزور الخيار الأسهل بالنسبة له، لكن الصيد في سهل الغاب كان لتأمين لقمة عيشه، أو كما يقول أبو عادل: “لم يكن لدينا سوى الخبز وقوت يومنا، لكن مشقة العمل والسفر كانت ضئيلة مقارنة بالعائد الذي يعادل عمل أسبوع في الغابة”. ورغم غياب بيانات محلية واضحة عن أعداد الضفادع التي تم اصطيادها في ريف حماة خلال تلك السنوات، إلا أن الضفادع تعتبر عالميًا من أكثر المخلوقات حساسية لتغير البيئات الرطبة، وتراجع جودة المياه، واستخدام المبيدات الحشرية، ما يجعل أي استنزاف طويل الأمد لموائلها الطبيعية مصدر قلق بيئي. ذاكرة النكهة: «لا يوجد فرق بين ذكر الضفدع وأنثى الضفدع إلا في حجم الفخذين»، تقول جورجيت وهي تجمع إصبعيها السبابة والوسطى معًا، محاولة تشكيل الحجم المثالي لفخذ الضفدع، لتجد أن أصابعها أصبحت صغيرة بمرور الوقت، فتضيف إليهما البنصر. تتذكر جورجيت صدمتها الأولى عندما دعتها عمتها في دمشق إلى أكل الضفادع. وتقول: “شعرت بالاشمئزاز”، قبل أن أدرك لاحقاً أن عمتها كانت تحاول “تدليلها بوجبة مرتبة”. تضحك وهي تتذكر المفارقة المتمثلة في أن ينتهي بها الأمر بحمل بعض الضفادع النحيلة معها إلى المنزل ليلة السبت لإعداد طبق مقرمش للعائلة. وأدى ضعف شعبية طبق الفروج في سوريا إلى الاعتماد الكامل على تصديره. يقول مدحت: “العمل في سوريا ليس مربحًا اقتصاديًا، فإيراداته لا تكفي لدفع أجور العمال”. يتذكر مدحت طعم الضفادع جيدًا، ويقول: «كل من يتذوقها سيقع في حب طعمها». وقبل أن ينتهي من وصف لحمها الأبيض اللذيذ، كما قال، جاءه صوت زوجته التي رافقته خلال سنوات عمله في هذه المهنة، وقالت: “الضفدع نظيف، لا يأكل شيئا ميتا، فلحمه لذيذ جدا”. ويتحدثون قليلاً عن كيفية تحضيرها كما كانوا يفعلون من قبل. يقول مدحت: «كنا نقليهم بعد أن نغطيهم بالدقيق والبيض والبهارات»، لكن زوجته تقاطعه قائلة إن البيض ليس ضروريًا، وأن الدقيق المتبل وحده يكفي لقلي الضفادع. ثم تشرح أهمية قليها على نار متوسطة، حتى تبقى طرية من الداخل ومقرمشة من الخارج، فتقول: “تبدو مقرمشة”. ويعود مدحت إلى أيام طويلة، قبل أن يبدأ والده هذا العمل، ويقول: «على ضفة العاصي، كنت أنا وأصدقائي نصطادهم، وبعد تجهيزهم نشويهم على الحطب والحطب الذي نجمعه». واليوم، خلت حقيبة أبو عادل، وورشة مدحت، وأيدي جورجيت من الضفادع، لكن قصتها ظلت محفوظة في ذاكرتهم. تتكئ جورجيت على عربة الأطفال وتتجول أمامنا، تبحث بعينيها عن وظيفة تفتقدها ولا تمانع في استئنافها. وتقول وهي تعقد أصابعها على شكل وردة: “إنه عمل أنا جالسة عليه، وهو جيد ويجلب المال. العمل مالي ومالي لا شيء”. تم إنتاج هذا التقرير ضمن ورشة عمل صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MICT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.


